أخبار عاجلة
الرئيسية / كتب الصوفية والتصوف / كتاب الطريق الى الله / الباب الثانى – مراحل الطريق

الباب الثانى – مراحل الطريق

 

الباب الثانى

مراحل الطريق

 

ما يجب أن يحصله المسافر فى طريق الله

 

أولا: الاستعداد قبل السير:

 

لما كان كل مسافر إلى مقصد عظيم وجب عليه أن يستعد لهذا السفر، استعدادا يطمئن به قلبه على نفسه،

فيصحب الرفقة التى يأنس بها،

ويدفع بها عن نفسه مالا قبل له به،

والزاد الذى يبلغ مقصده حتى يرجع لأهله،

والسلاح الذى يستعمله عند لقاء اللصوص أو الوحوش،

والمال الذى يدخره للضرورة، والراحلة التى تحمله،

والأثاثات التى لابد له منها من البيوت التى تكنه،

واللباس الذى يقيه الحر والبرد.

 

وأهم ما يلزم المسافر؛ الخبير: الذى يسلك به على الطريق الموصل، والعالم بالطريق علما عن تجربة وكثرة مروره به. هذا ما يلزم المسافر فى أموره الدنيوية.

 

أما المسافر إلى حضرة الملكوت الأعلى، فله لوازم ضرورية لابد منها، وهى الأهمية بمكان، حتى يمكنه أن يبلغ مقصده الملكوتى، كثرت لوازمه وازدادت حاجاته. كل تلك المعدات يجب أن تكون موفرة للمسافر قبل سفره بزمن طويل، فلا ينبغى له أن يسافر إلا بعد كمالها، فمن أخطأ فى إعداد العدة خاطر بنفسه، فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

 

ثانيا: أن يحص فقه الشريعة عقيدة وعبادة:

 

1-علم التوحيد:

 

ويُحصَّل بالتلقى عن أهل الخشية من الله تعالى، وهو الركن الذى يجب المسارعة إليه قبل كل شىء، ولا ينبغى للسالك فى طريق الله أن يلتفت إلى شىء قبله، إلا مالا يتحصل على هذا العلم إلا به من الضرورى، كالغذاء والنوم وقضاء حاجة الإنسان، والسعى فى تحصيل ذلك.

 

أولا أعنى به أن يتلقاه الإنسان بالطريقة التى يلقنها أدعياء العلم بالأقيسة المنطقية التى أخذوها عن اليونان، فإن ذلك- والعياذ بالله- من البدع المضلة، ولم يكن فى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولا التابعين وتابعيهم بإحسان.. وإنما تتلقى العقيدة بطريقة السنة كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالمآخذ القرآنية، فإن الله تعالى بينها فى كتابه العزيز بطريقة البرهان، الذى لا يفهمه إلا من تزكت نفسه، وصفا خياله، واطمأن قلبه للحق، بما جعله الله فيه من النور والهدى.

 

2-علم العبادات:

 

يجب على السالك بعد ذلك أن يتلقى العبادات عملا عن أهل الخشية بصحبتهم، حتى يكون صورة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم، عاملا بما كانوا عليه. فإن أهل الخشية تلقوها عملا ممن تلقاها عمن تلقاها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريلُ فصلى فصليت، ثم صلى فصليت- وكررها خمسا- فصلوا كما رأيتمونى أصلى) يشير صلى الله إلى أن علم الصلاة يجب أن يكون عمليا لا بالدراسة، وإنما هى القلوب، متى خشعت من علام الغيوب، قامت مواجهة لجنابه العلى، وحسن وقوفها بين يديه سبحانه.

 

ثم يتعلم الصيام والحج والزكاة عملا أكثر من تعلمها علما، فإن تلقى أنواع العبادات بالعمل ينقش على القلب صورة نورانية، تجعل الجسد هينا لينا للقيام بها. وتلقيها بالعلم يجعلها كالمعنى التى يتعقلها الإنسان ولا يشعر بالمقصود منها. ولذلك فإنك ترى دعاة العلم الذين يعلمون الناس أركان الإسلام؛ يتهاونون بالقيام بها، فقد يجلس الرجل يتحدث مع الآخر فيفوته الفرض والفرضان، وقد يقف فى الصلاة وقلبه مشغول بغير من هو مواجهه سبحانه، ويخرج من الصلاة مسرعا إلى عمل ربما كان يدبره فى الصلاة، وهو لا يشعر أين كان؟ أصلى ثلاثا أم أربعا؟.

 

ثالثا: أن يحصل من القرآن ما يكفيه:

 

بعد تحصيل ذلك يجب أن يحصل من القرآن ما يكفيه، لصلاته، ولتلاوته وتدبره، وللتلذذ بسماع كلام ربه من نفسه، حتى لا يمضى عليه يوم إلا وقد تكلم مع الله سبحانه بكلامه المقدس، والواجب على المريد أن يفهم ما حفظه من القرآن، فإن حفظ شيئا من القرآن بغير فهم، وجب عليه أن يسارع إلى خدمة من يفهم منه ما حفظ من القرآن، حتى لا يكون كالببغاء يقرأ كلام الله بغير فهم، وحسب المسلم جهالة أن يقرأ شيئا من كلام الله غير فاهم معناه، وهل إنسان يحب آخر ويجهل كلامه؟ هذه دعوى باطلة…

 

وما حجبت أنوار الطريق وأسراره عن عيون البصائر، وحرم المريد أنوار المواجهات عند القيام بالقربات، إلا من التهاون بفهم كلام الله، ولم تكن خوارق العادات للسلف، والهمم التى تنفذ فى عظائم الشئون، وقوة سلطان المسلمين واتحاد كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ومسارعة كل مسلم لخير المجتمع الإسلامى، إلا بفهم كلام الله تعالى. ومن انتسب إلى الطريق ولم يفهم ما حفظه من كتاب الله فهو فى طريق هواه وحظه. وإلا فما الذى يدعوا المريد أن يجعل نفسه كالميت بين يدى المرشد، فيتصرف فى نفسه ودينه وماله، إلا ليجعله فى معية رسول الله عليه الصلاة والسلام، إنسانا كاملا عاملا من عمال الله.

 

وإنما أهل الطريق من صغر فى نظرهم كل شىء، فى سبيل تحصيل كلام الله، وعلم أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

رابعا: أن يجاهد نفسه فى ذات الله:

 

إن النَّفَس عند السالك أغلى من نَفْسه، فلا يصرفه إلا فى تكميلها، الكمال الذى به يكون فى مقعد صدق عند مليك مقتدر (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) النساء 69 وليس الفيض القدسى، والنور الروحانى، والعلم الربانى، بمحظور عليه بزمان أو بمكان، وإنما هو لمن يبذل نفسه وماله فى نيله، قال تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين) التوبة 112.

 

وإن المقاتلة العظمى فى سبيل الله هى مقاتلة الشخص نفسه لتكميلها، قال صلى الله عليه وسلم: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس) فالإقدام بالملحمة بين صفوف الأعداء أمام نار المقذوفات جهاد أصغر، ومجاهدة المريد نفسه فى ذات الله جهاد أكبر، ولا جهاد فى الحقيقة إلا بفهم كلام الله تعالى، وعلم غوامضه والعمل به. وإن العامل بكتاب الله السالك على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جهاد أكبر ممن ألقى بنفسه بين نيران المقذوفات، لأن الذى ألقى بنفسه بين نيران المقذوفات، شهد بعينه الجنة فتحت له فسارع إلى الجنة، لا إلى نار وطعن. وإن من شهد الجنة فتحت له، لا يشعر بما أصابه فى سبيلها.

 

بالعمل بالقرآن ملكنا الأرض شرقا وغربا، وسدنا على العباد سرا وجهرا، واستجاب الله لنا، وسخر لما ملائكة سماواته، وبإهمال فهم القرآن أصبح من أهملوه عالة على أهل الكفر بالله، وأتباعا وأذلاء لهم، فإذا كان فهم القرآن عزا وملكا ومجدا فى الدنيا، فكيف يكون فى الآخرة؟ (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الرعد 19 فالقرآن يجب أن نحبه دنيا، ونحبه لأنه صدر عن الله، وأنه صفة من صفاته، وفيه تجلى لنا الله، وظهرت لنا معانى صفاته، وكاشفنا فيه بمحابه ومراضيه، وبين لنا ما يكرهه ويغضب لعلمه، ونحب القرآن لأنه الشمس المشرقة للأرواح الملكية، وللنفوس الزكية، وللقلوب المطمئنة بذكر الله. اللهم إنى أشهدك أنى- ولك الحمد ولك المنة- أحب كلامك العزيز، وأحب أن تقام حدوده، وأن يكون العلم به، فتفضل يا ذا الفضل العظيم، وأعطنى محابى فيك سبحانك، وحصنى بالقرآن من مخالفته، إنك ولى المؤمنين.

 

 

الحث على إتباع سنة خير المرسلين

 

اتباع السنة واجب لصحة الإسلام:

 

قدمت لك أن الطريق إلى الله تعالى هو العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان يعمل سلفنا الصالح عظا بالنواجذ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا أبين لك من الكتاب والحديث ما به تعلم حق العلم، أن العمل بكتاب الله والسنة المطهرة ينال بهما المسلم محبة الله تعالى له، والتى هى بغية أولى العزم من الرسل.

 

إعلم يا أخى- وفقنى الله وإياك لما فيه اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن أبلغ آية دعانا الله فيها إلى إتباع السنة، هى قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر 7 ثم قوله سبحانه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء 65  من هاتيت الآيتين وغيرهما يتضح لك ن إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض واجب لصحة الإسلام.

 

وكل من يخالف السنة فقد عرض نعمة الإسلام للزوال. قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدُكم حتى يكونَ هواه تبعا لما جئت به) وقال صلى الله عليه وسلم: ( من ضيع سنتى حرمت عليه شفاعتى، ومن أحيا سنتى فقد أحيانى، ومن أحيانى فقد أحبنى ومن أحبنى، كان معى يوم القيامة فى الجنة) وجاء فى الآثار المشهورة أن المتمسك بسنته صلى الله عليه سلم عند فساد الخلق واختلاف المذاهب والملل، كان له أجر مائة شهيد، وأنه كالقابض على الجمر، أى: لا يسعه تركه ولا إمساكه.

 

ما المراد بالسنة؟:

 

المراد بالسنة ما نقله إلينا أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من أقواله وأعماله وأحواله وإقراراته، وما كان عليه الخلفاء الراشدين وأصحابه الذين عاصروه من بعده، ثم الذين يلونهم من التابعين ومن بعدهم، وكل ما أحدث بعد هؤلاء مما يخالف منهاجهم فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، يجب علينا محاربتها قدر استطاعتنا، فإن الصحابة رضوان الله عليهم هم القدوة المثالى لنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا ينكرون أشد الإنكار على من أحدث أمرا أو ابتدع رسما لم يعهدوه فى عصر النبوة، سواء كان صغير أو كبير، فى المعاملة أو فى العبادة والذكر.

 

ومن الأدب ترك البحث والتفتيش فيما جاءت به السنة إذا صح سنده واستقام متنه، فإنه يجر إلى الطعن فى الدين الذى هو مفتاح الضلال. وما هلكت الأمم الماضية إلا بطول الجدال وكثرة القيل والقال، وإنما يجب على المسلم أن يعض بنواجذه على ما ثبت من السنة، ويعمل به، ويدعو إليه، ويحكم به، ولا يصغى إلى كلام أهل البدع ولا يميل إليه.

 

فرائض الإيمان وشعبه

 

فرائض الإيمان:

 

وهنا يجب أن نبين لك ملة الإسلام الصحيحة التى وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل عليه السلام لأنها أساس الطريق المتين وحصنه الحصين، وهى: أن يؤمن العبد ويصدق بالله تعالى وحده لا شريك له، ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله أجمعين، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله، ثم يرى الإقرار الصحيح بذلك كله فرضا لازما، فيقر به، ويقيم الصلوات الخمس لأوقاتها، على شرائطها وحقوقها، ويؤدى الزكاة فى المال لوقتها وبشرائطها، ويصوم رمضان، ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلا.

 

ويرى أن من انطوى قلبه على هذه الفرائض جميعها، ودل بها لسانه، وعمله واطمأن إليها قلبه؛ فهو مؤمن من أهل الجنة، بفضل الله تعالى وكرمه.

 

شعب الإيمان:

 

ويرى أن المؤمن لا يخرجه عن إيمانه ذنب، كما يخرج بالكفر والشرك والنفاق، ويكل سريرته إلى الله تعالى يوم القيامة، إن شاء عاقبه بما شاء إلى ما يشاء، وإن شاء عفا عنه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (أنه يخرج من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من إيمان)، أى : أدنى شىء من يقين الدين. وأن لا يكفر أحدا بذنب، ولا يخرجه من الإسلام بعمل.

 

وأن يكف لسانه عن أهل القبلة، ولا يشهد على أحد منهم بالكفر والشرك والنفاق، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.

 

ومن سنة الإسلام أن يعلم بأن القلم قد جرى بما هو كائن من أمر الدين والدنيا، رطبها ويابسها كما قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِي) الأنعام 59  وأن السعادة والشقاوة مكتوبتان، وكل ميسر لما خلق له، فلا تقديم لما أخره الله، ولا تأخير لما قدمه، ولا تعطيل لما أحكمه، ولا نقض لما أبرمه، وكل ذلك بقدر الله.

 

وأن يصلى العيد والجمعة خلف كل بر وفاجر من ولاة الإسلام، ويصلى على من مات من أهل القبلة كائنا من كان.

 

ويجاهد مع كل خليفة أعداء الله، ولا يخرج على إمام المسلمين بالسيف، ولا على أحد من أهل الإسلام، بل يدعو لهم بالصلاح والخير والمعافاة والاستقامة والرشاد والسداد، ويدعوا لإمام المسلمين، ويطيعه فيما يأمر به مما أباحه الدين، وإن كان عبدا حبشيا.

 

ولا يطعن فى سلف العلماء بما زلت به أقدامهم، ولا يتخذهم غرضا.

 

ويتورع جهده عن مطاعن الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا فى أعلى مراتب التقوى والبر واليقين والزهد والهدى، وقد وعدهم الله المغفرة فى سقطاتهم بصحبة سيد البشر عليه الصلاة والسلام، فمن الواجب على كل مسلم ألا يبسط لسانه فيهم إلا بأحسن ما يقدر عليه، فإن كانوا عليه رضى الله عنهم، ومن كمال حب المسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حب أصحابه من أجله.

 

ولا يخاصم ولا يجادل أحدا فى الدين، فإن ذلك يحبط الأعمال.

 

ولا يمارى أحدا فى شبهات القرآن فإنه يقرع بذلك باب الضلال، فإن ألجاه أمر إلى المحاجة فليكن سائلا متمسكا بآداب السؤال.

 

ويؤمن بعذاب القبر ويتعوذ بالله تعالى.

 

ولا يتكلم فى الدين برأيه، بل يتبع السنة فى كل ما يقول ويعمل ويقرر.

 

ولا يتبع القياس فى جميع مسائل الدين وأحكامه، فإن أول من أخذ بالقياس إبليس اللعين.

 

ولا يناظر فى صفات الله ولا فى ذاته أحدا، فإنه سبحانه تعالى منزه عن القياس والأشباه والأوهام والخطرات، ففى الحديث: أن هلاك هذه الأمة إذا تكلموا فى ربهم، وأن ذلك من أشراط الساعة.

 

ويجب أن يترك التكلم فى القدر والمجادلة فيه، فإن ذلك من إشراك الأمم السابقة، ولبحث له عن عالم ربانى يكشف له ما يشتبه عليه من هذه الأمور. والله ولى التوفيق.

 

 

البحث عن المرشد الدال على الله:

 

ولما كان العلم لابد أن يكون بالتعلم، وكان السالك فى الطريق لابد له من المعلم، والمعلم محل الإجلال والتعظيم، وهو الذى يجب له السمع والطاعة، لأن السالك يسلمه نفسه فيزكيها له، ويتلقى عنه أحكام دينه ليقلده فى عقيدته وأعماله وأحواله، فأول واجب على السالك فى طريق الله تعالى، أن يبذل غاية الهمة فى البحث عن هذا العالم، ليفوز برضوان الله الأكبر، ويعمل لخير نفسه وخير المسلين جميعا. ومن أهمل فى هذا الموضوع الجليل فلم يبحث عن عالم ليتعلم، أو لم يدقق فى البحث عنه، وسلم نفسه لمدع أو مبتدع، فقد أخطأ نيل الوسيلة، ومن أخطأ نيل الوسيلة حرم المقصد، وسيان عندى من أهمل فى تحصيل العلم، ومن صحب رجلا بغير بصيرة وبحث عن حقيقته، ليتبين له أنه مرشد حقا، وهنا أبين لك أوصاف المرشد، حتى تكون على بصيرة من أمرك، والله ولى التوفيق.

 

أوصاف المرشد:

 

المرشد هو الحى القائم الدال على الله، والعالم بالنفوس وأمراضها عن نزوغ الشهوات والأهواء، وميول إلى ما يلائم النفس، العالم بالحقائق التى خلق الله منها الإنسان، فإن الله جل جلاله خلق الإنسان متطورا فى بطن أمه، من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظام، ثم إلى كسى العظام لحما، ثم أنشأه خلقا آخر، بعد أن أفتتح خلقه من سلالة من طين، ثم جعل سبحانه وتعالى فوقه سبع طرائق.

 

وهذا العالم بالنفوس هو عالم بالله، وبأيام الله، وبأحكام الله، وطلبه فريضة، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعالم، ومتى سعد السالك فى طريق الله بهذا العالم، أكمل الله له دينه، وأتم عليه نعمته، ورضى له الإسلام دينا. والمعلوم أن العالم أجمع لا يجهل الله الحق الذى خلق السموات والأرض وما بينهما واستوى على العرش، وإنما المجهول علم ما يحبه ويرضاه، من العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات، والقيام بما يحبه ويرضاه من العقيدة والعلم وشهود أنواره وأسراره وآياته فى مكوناته، مع كمال التنزيه والتسليم لله تعالى، من غير منازعة بالعقول، ولا مخالفة بالنفوس، حتى يصلوا إلى مقام من أثنى الله عليهم بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) الأنعام 82.

 

أخذ العهد على المريدين

 

البيعة فى الكتاب والسنة:

 

قال الله تعالى: المؤمنون 8، وقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة 177. وقال تعالى: الإسراء 24. وقال تعالى: الفتح (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) 10 وقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) الفتح 18  وقال صلى الله عليه وسلم: (بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا) الحديث. فالعهد أولا أخذه الله تعالى على رسله الكرام، بأن يكونوا أمة لحبيبه ومصطفاه إن أدرك زمانه أحدهم. وأخذت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم العهد لله على أممهم، وقام العلماء الربانيون بأخذ عهد الله تعالى بالنيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل عصرهم فى كل زمان، بأن يبينوا لهم ما أوجبه الله تعالى عليهم، وما رغبهم فيه، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى، ثم يأخذون عليهم العهد أن يأتمروا بما أمرهم به الله والرسول، وينتهوا عما نهى الله ورسوله عنه.

 

الجنة وفاء من الله بعهده للمؤمنين:

 

قال تعال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة 111  وكما أن الله أخذ عليهم العهد أن يقيوما بالعمل بوصاياه سبحانه، فقد ضمن لهم- فضلا- منه وكرما- أن يدخلهم الجنة، وبشرهم بأن بفى لهم بعهده سبحانه، قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة 40 وفى تلك الآية سر غامض تلوح أنواره لمن انتشل من أوحال التوحيد، إلى فضاء التنزيه والتفريد، بعد التزكية والتجريد، وأشرقت أنوار الحضرة و العلية، حضرة الرب العلى الكبير، على حضرة العبد الذى واجهه الرب جل جلاله، فأشهده معانى ربوبيته، فتحقق بالتمكين بالقيام بحقوق العبودية، فكان الرب جل جلاله مع العبد، والعبد المضطر مع الرب، معية جعلت العبد متحدا مع ربه جل جلاله فيما يريد، بمحو العبد فى مراد الرب، وهم العبد فى استجلال رضاء الرب جل جلاله.

 

وبذلك تقوى الرهبة والرغبة من عظمة العظيم، وفى الفضل العظيم من الله تعالى، ويشتد الخوف من مقام الرب جل جلاله، والطمع فى عفوه ومغفرته، فتكون معانى الربوبية معالم بين عينى العبد، فلا يرى شيئا إلا ويرى أنوار الربوبية قبله وفيه وبعده، وبذلك يكون ربانيا، يفقه عن الله، ويتلقى بسره عن رسول الله، ويكون له وجود عينى بالله تعالى، ثابت بإثبات الله له، ظاهر بإظهار الله له، عامل فى محاب الله ومراضيه بتوفيق الله وهدايته، فيكون له من الله الفضل العظيم، وعليه الواجب المقدس الذى هو معرفة حكمة إيجاده له سبحانه وتعالى، وسر مداده منه سبحانه وتعالى ولذلك فإنه سبحانه بعد أن قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة 40 قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة 40 لأن هذا الخطاب المقدس ربما أشهد السالك فى مقام فرقه بعد الجمع، مشهدا يجعل رغبته ورجاءه، وطمعه وأنسه، وشهوده سوابغ النعماء وجميل الآلاء، وتسخير كل شىء هو فى الملك والملكوت، يقوى فيستر عنه مشاهد المنة، وبوارق العظمة، والعزة والكبرياء، فربما يأنس بمشهد دون مشهد، فأشار سبحانه بقوله: () البقرة 40 أى: أن مقام العبودة أرقى من مقامات العبادة والعبودية.

 

وإنما الأحوال نتائج الشهود، والشهود نتائج المقامات، فمن غلب عليه مقامه قهر حاله. ومقام الرهبة أعلى المقامات، لأنه عن علم آيات عظيم كبير متعال، على قادر منان. وكم من سالك وقف عند مشاهد الرغبة والرجاء والطمع، ولم يتجاوزها إلى مقامات التمكين وحق اليقين، فتاه شاطحا، فيتداركه الرب جل جلاله بنعمة منه، والله أرحم بالسالكين من أنفسهم بأنفسهم، ورسوله صلى الله عليه سلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

 

وفى تلك الآية الشريفة من غوامض الأسرار، مما تكاشف به النفوس الطاهرة، قبس من مشكاة الأنوار تواجه به السرائر من أنوار الكوكب الدرى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

 

كيفية أخذ العهد:

 

لما كان العلماء الربانين ورثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان لابد من تجديد عرى الإيمان، لأن الإيمان يخرق كما يخرق الثوب، وتخفى معالمه، ولكن الله سبحانه وتعالى يجدده على ألسنة العارفين به.

 

ولما كان المرشد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى بيان شعب الإيمان وتفصيل ما أجمل من السنن، وتوضيح ما أبهم منها، وبيان سبل الله، كان عليه بعد أن يعلم تلاميذه ما يجب عليهم، أن يعاهدهم بالنيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويواثقهم له صلوات الله وسلامه عليه، مبينا لهم أن يده التى يضعها على ايديهم هى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يكون صورة كاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

فاصطلح أهل الطريق رضى الله عنهم أن يبتدئوا مع المريد بتعليم العلم الواجب على المريد فى الوقت، من علوم المعرفة والأخلاق والعبادات والمعاملات، وآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يواثقونه بعد ذلك على أن يعمل بما علم بقدر استطاعته، وينتهى عما نهى عنه الله جملة واحدة إلا ما أكره عليه كما يبينونه له، فيبايعونه البيعة الكاملة على أن يشرك بالله شيئا، وأن يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأن بجتنب الكبائر والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يجاهد نفسه وهواه فى ذات الله، ويبينون له: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)التوبة 111. هذا سر العهد عندهم، ولا ينبغى أن يعاهد المريد إلا عارفا ربانيا، يصح أن يكون صورة كاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب زمانه، لا بحسب المعانى المحمدية الكاملة.