أخبار عاجلة

الباب الثالث – اصول الطريق

 

الباب الثالث

اصول الطريق

العقيدة

 

العقيدة هى أصل الأصول:

 

هى أصل الأصول التى عليها مدار العبادات والأخلاق والمعاملات، وبها نيل الرضوان الأكبر يوم لا ينفع مال ولا بنون، قال سبحانه: () النساء 116 ومتى انعقد القلب على العقيدة الجقة التى مأخذها الكتاب والسنة، وبيان الأئمة، اشرقت أنوارها على الجوارح، فسارعت إلى محاب الله ومراضية، وإنما تكون الاستقامة بقدر العقيدة الحقة، تجعل المتجمل بها حاضرا مع الله لا يغيب، عاملا له سبحانه، بالإخلاص لا يخالفه، مراقبا له جلاله فى خلوته ومجتمعه، محاسبا نفسه على كل صغيرة وكبيرة، يرى الحجيم حضورا أو استحضارا، وبعيشك… من رأى الجحيم بعين اليقين، كيف يخالف القوى القهار المتين؟!.

 

العقيدة من أقوال أئمة الطريق:

 

وإليك ما قاله أئمة الطريق فيما جملهم الله تعالى به من حسن العقيدة:

قال الإمام أبو القاسم القشيرى في رسالته فى علم التوحيد: إعلم أن شيوخ الطريق بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة فى التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة، من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم، وتحققوا بما هو نعت الوجود عن العدم.

 

وقال أبو بكر الشبلى رضي الله عنه: الواحد المعروف قبل الحدود وقبل الحروف.

 

وسئل رويم عن أول فرض افترضه الله عو زجل على خلقه ما هو؟ فقال المعرفة، لقوله جل جلاله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿) الذاريات 56 قال ابن عباس: إلا ليعرفون.

وقال أبو الحسن البوشنجى: التوحيد أن تعلم أنه غير مشبه للذوات، ولا منفى للصفات.

 

وسئل  ذو النون المصرى: ما هو التوحيد؟ فقال: هو أن تعلم قدرة الله تعالى فى الأشياء بلا مزاج، وصنعه للأشياء بلا علاج، وحكمة كل شىء صنعه ولا علة لصنعه، وليس فى السموات العلا ولا فى الأرضين السفلى مدبر غير الله، وكل ما تصور فى ذهنك فالله بخلافه.

 

وقال الجنيد: التوحيد علمك وإقرارك بأن الله فرد فى أزليته، لا ثانى معه، ولا شىء يفعل فعله.

 

وقال أبو عبد الله: الإيمان تصديق القلوب لما علمه الحق من الغيوب.

 

وقال أبو العباس السيارى: عطاؤه على نوعين: كرامة واستدراج، فما  أبقاه عليك فهو كرامة، وما أزاله عنك فهو استدراج، فقل : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى.

 

وقال شهل بن عبد الله التسترى: ينظر المؤمنون إليه تعالى بالأبصار، من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.

 

وقال أبو الحسن النورى، يشاهد الحق القلوب، فلم ير قلبا أشوق إليه من قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فأكرم بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة.

 

وقال أبو عثمان المغربي يوما لخادمه محمد: لو قال لك احد أين معبودك، فماذا تقول؟ قال أقول: لم يزل، قال: فإن قال: أين كان فى الأزل، فماذا تقول؟ قال أقول: حيث هو الآن. يعنى أنه كما كان ولا مكان، فهو الآن كما كان، قال: فسره منه ذلك، ونزع قميصه وأعطاه إياه.

 

وسئل أبو عثمان المغربى عن الخلق فقال: قوالب وأشباح، تجرى عليهم أحكام القدرة.

 

وقال الواسطى: لما كانت الأرواح الأجساد قامتا بالله وظهرتا بالله، لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله، ولا بذواتها، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح.

 

وقال أبو سعيد الحزاز: ومن ظن أنه ببذل الجهد يصل إلى مطلوبه فمتعن، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمن.

 

وجاء رجل إلى ذى النون المصرى يقول: ادع الله لى، فقال له: إن كنت قد أيدت فى علم الغيب بصدق التوحيد فكم من دعوة مجابة سبقت لك، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقى.

وسئل ابن شاهين الجنيدى عن معنى (مع) فقال معنيان، مع الأنبياء بالنصرة والكلاء، قال تعالى: () طه 46 ومع العامة بالعلم والإحاطة، قال تعالى: () المجادلة 7.

 

وسئل ذو النون المصرى عن قوله تعالى: () طه 5 قال: اثبت ذاته ونفى مكانه، فهو موجود بذاته، والأشياء موجودة بحكمة كما شاء سبحانه.

 

وقال الإمام جعفر الصادق: من زعم أن الله فى شىء أو من شىء أو على شىء فقد أشرك، إذ لو كان فى شىء لكان محصورا، أو كان من شىء لكان محدثا، أو لو كان على شىء لكان محمولا.

 

وقال الجنيد: التوكل عمل القلب، والتوحيد قول القلب.

النكرون لأقوال أئمة الطريق:

هذه عبارات من سبقت لهم العناية، وإنما يذوق حلاوة معناها أهلها، ممن سبقت لهم من الله الحسنى: () هود 120 وإن كان معنى الآية يشير إلى ما كان يحصل لرسول الله من الحزن- عند إنكار قريش وتكذيبه- رحمة بهم. ولكن نذكرها هنا لإقامة الحجة، على أن تلك العبارات يزداد بها أهل الإيمان الكامل يقينا، وينكرها من سجل عليهم القضاء البعد والقطيعة، نعوذ بالله، وهم لا يخفون علينا بعد أن بين الله لنا أوصافهم، وحذرنا منهم، وهم الآن كثير لضعف أهل الحق، وسيأنى وقت – هو قريب- يظهر الله أهل الحق، ويعيد لنا ما كان لسلفنا من القوة والتمكين فى الأرض، ولديها أهل النفاق- الذين يجاهرن اليوم بالاعتداء على الدين- يسارعون إلى التمسك خوفا من قوة الحق () يوسف 52.

 

وما تقول فى عقيدة من يدعى الإسلام وهو يعتدى  على أخيار الله، نحتجا بكلام من لا حجة لهم ممن قال الله فيهم: () الفرقان 44 وقال سبحانه: () الكهف 51.

 

ما تقول فى عقيدة من يقول: أنا أبحث  بحثا علميا والدين والعلم مختلفان. وهو يجهل حقيقة العلم لأنه يجهل روح الدين. الإسلام لا يعادى العلم، لأن الإسلام وضع الحكيم العليم، الذى بين الحقائق كما هى، وكل ما يخالفه فهو جهل وضلال، وإن كان عند أهل النفوس اللقسه علما.

 

العلم هو تصور النفس رسوم المعلوم، ومتى تصورت النفس رسوم المعلوم، صار المعلوم بين عينى العالم، لانبلاج أنوار الغيب المصون وإشراقه على جوهر النفس، فبين لغيره بالعبارة معانى المعلوم، ليتنثلها خيال السامع لا بقدر المعلوم، فإن كان السامع ممن منحم الله نفسا نورانية، تقبَّل العلم الحق واطمأن قلبه. وإن كانت نفسه خبيثة، أنكر ومال إلى مجالسة أهل الكفر والضلال، فإن استدرجه الله تعالى بقوة أهل الباطلـ وضعف أهل الحق، جاهر بالضلال، وإن أظهر الله أهل الحق أظهر أنه من أتباعهم، وأخفى فى نفسه ما الله مبديه، وهو النفاق.

 

أسأل الله أن يحفظنا من النفاق، وأن يؤيدنا بروح حتى يكون المجاهر منافقا، ثم يظهر الله ما فى نفسه فيعذبه الله فى الدنيا بأيدينا، وفى الآخرة بنار جهنم، أو يتوب  عليه ويهديه منه، والله ولى المتقين.

 

العقيدة هى الحجة:

 

بينت لك الأصل الأول الذى هو العقيدة، وهو أصل الأصول، بل هو رأس مال المؤمن، وما زاد عليه فهو ربحه، قال الله تعالى: () النساء 116 والعقيدة الحقة مأخوذة من الكتاب والسنة وبيان الأئمة، وقد أوردت ما قاله أئمة الطريق رضى الله عنهم فى العقيدة، وفيه الكفاية لمن جعل الله لهم نورا فى قلوبهم. ومن طلب تحصيل العقيدة بالبراهين المنطقية والأدلة العقلية، حرم الإيمان الحق، لأن الله تعالى على عظيم، لا تدركه الأبصار الباحثة. وقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن نفسه فى آيات من القرآن كثيرة، وأقام الحجة البالغة بما بينه سبحانه فى خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، مما شاهدنه العقول، واطمأنت به القلوب. على أن كل شىء خلقه الله للإنسان مما أحاط به من أفلاك وأملاك، وأجواء، وأرجاء، ومعادن ونباتات وحيوانات، وهذه هى الحجة التى أسجدت القلوب لعلام الغيوب، وبقيت المحجة وهى الأصل الثانى الذى هو العابدة التى تربط العبد بريه، قال تعالى: () آل عمران 103 وتتمثل فى الطريقة المستقيمة.

 

 

 

 

الطريقة المستقيمة

 

الطريقة هى المحجة:

 

هى أقرب طريقة توصل إلى المطلوب، وكل الطرق الأخرى منحرفة أو معوجة أو منقطعة لا توصل السالك عليهاـ وتلك الطريقة المستقيمة محصورة فى قول رسول الهه صلى الله عليه وسلم وعملة وإقرارته، وقد بينها أئمة الهدى بالقول والعمل والحال.

 

وطالب الله تعالى يجب عليه أن يبحث عن مرشد يصحبه، هو أشبه الناس  برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يظفر به يجب عليه أن يسلم له فيما علم لا يخالف كتابا ولا سنة، فإن الحرام بين والحلال بين، ومن حجب ممن يتعدى حدود الله ويخالف أحكامه، ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارق السنة، ومال عن الطريقة المستقيمة، ولا حجة له.

 

قال الله تعالى: الأنعام () 153.

 

والواجب علينا أن نتمسك بالسنة تمسكا يمنحنا ربنا الفوز به، والوصل إليه، ونيل ما وعدنا سبحانه عنده، قال سبحانه: () الأعراف 44.

 

 

 

 

بم تصلح الطريقة؟

 

أولا: تلقى عقيدة التوحيد:

 

تلقى عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة والسماع من المرشدين الكاملين، لا من أهل الجل والمعارضة والإنكار، الآخذين بأصول اليونان- التى هى الأشكال المنطقية ونتائجها- وما لم يكن عليه السلف الصالح، بل يترك الجدل مرة واحدة، قال تعالى: () الزخرف 58.

 

ثانيا: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

المسارعة إلى عمل ما أمر الله بقدر الطاقة، والبعد عما نهى عنه جملة، فإن الطاعة مقيدة بالطاقة، قال تعالى: () التغابن 11 وكل تكليف ملاحظ فيه الاستطاعة، وأما ما نهى الله عنه فيترك جملة واحدة، فإن الله ما نهى إلا كل قبيح لا خير فيه.

 

ثالثا: أن يكون لكل فرد فى المجتمع حق عليه:

أن ينزل الناس من قلبه بقدر ما أنزلتهم الشريعة فترى معلم الخير والوالدين فى أرقى المقامات من قلبك، تعظيما واقتداء ومحافظة على الاتباع وبرا.

 

وترى إخوتك من والديك أحب الناس إليك، ويليهم إخوتك من والدك أو والدتك، ثم ترحم أبناءك وتجتهد فى تربيتهم تربية تصلح بها حالهم فى الدنيا والآخرة، ثم تحسن صحبة زوجتك، وخصوصا إذا تزوجت أكثر من واحدة.

 

ثم تنزل الناس بحسب منازلهم، من جار أو قريب أو شريك أو عامل عندك، من الرحمة وحفظ العهد ورعاية جناب الله تعالى، حتى يكون المجتمع الإسلامى كالجيد الواحد، لكل فرد حق عليك بقدره شرعا.

 

رابعا: أن يؤدى ما عليه لغيره:

وهنا ملاحظة أحب أن يكون السالك عليها، وهى أن يسارع فى تأدية ما عليه لغيره، ولا يطالب الناس أن يقوموا بما عليهم له، طمعا فيما يناله من الأجر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 

وفى هذا المقام تتفاوت المقامات، فإن الله سبحانه عندما أثنى على رسول الله صلى الله عليه سولم لم يثن عليه لأنه كثير الصيام، أو القيام، وإنما أثنى عليه بالأخلاق الكريمة، قال تعالى: () القلم 4 بغير التنوين، أى: على خلق موصوف بالعظمة عند الله تعالى، وهو أكمل جمال للأخلاق. ولا تسو أيها المريد بالأخلاق شيئا، فإن الأخلاق هى رعاية جانب الله تعالى، وقهر دواعى البشرية من الحظ والهوى والطمع، وبذلك يكون المريد أشبه بالملائكة المقربين، بل أفضل منهم، لأنه مجاهد، والملائكة أرواح نورانية ليست فيهم عناصر تقتضى المجاهدة، قال تعالى: () النساء 2.

 

الشريعة والحقيقة طريق واحد

أدعياء الطريق وتأويلاتهم:

 

إن الأصول الشرعية يجب على السالك فى طريق الله أن يرعاها حق رعايتها، فلا يحيد عنها شعرة، والسلوك إلى الله تعالى لا يمكن أن يكون من غير الطريق الشرعى، ولما كانت هذه النقطة من أدق النقاط وأصعبها فهما على عقول العامة، خصوصا فى هذا الزمان المظلم الذى تفشت فيه البدع، واشتدت وطأه المضلين والجاهلين.

 

فقد رأينا أن نعرض للكلام فيها، ونفصل ما خفى منها حتى تستبين الحجة فيها، وتتضح المحجة وينجلى ذلك الستار الموهوم الذى أيدله أدعياء المتصوفة وقاطعوا طريق الله تعالى على أنفسهم، لتضليل البسطاء وإغواء الأبرياء والتحايل على العيش من وراء هذا الافتراء والبهتان.

 

يحاول أولئك القوم أن يُفهِموا السذج من الناس أن الشريعة والحقيقة مختلفتان، ومتناقضتان فى لفظهما وجوهرهما، وأنهما طريقان متباينان، لكل طريق منهما أصول وقوانين، وأن كلام منهما انفردت بأهل ومعتنقيها عن الأخرى، ولذلك يحتمون على من سار فى طريق الحقيقة أن يترك كل ما يتعلق بالشريعة، لأنه يسير بزعمهم فى طريق أعلى وأسمى من تلك الطريق، لا يجمل بمن رقى أن يتنزل، ولا بمن تغلل فى بطن الدار وجالس أهلها؛ أن يعود للوقوف على بابهأ.

 

الرد على هذا التأويلات:

 

وجهل أولئك المغرورون أن الشريعة والحقيقة طريق واحد، بدايته الأولى ونهايته الثانية. وأن الحقيقة من الشريعة، كالقصر المشيد العالى من الأساس المتمكن فى أعماق الأرض، فلو لم يبق هذا الأساس ويحكم بناؤه لما قام ذلك القصر، ولما دام بقاؤه. وإنه وإن كانت الحقيقة بيتا والشريعة بابه، فإن البيوت لا تؤتى من غير أبوابها، وإن الذى يدخل البيت من غير الباب إنما هو لذى مريب، لا ينظر إليه بعين الثقة ولا الاحترام.

 

ولقد بين العلماء العارفون بالله وهن تلك الدعاوى الباطلة، التى يضلل بها أولئك الأدعياء عقول الناس، يقذفون بهم فى هوة مخالفة الشريعة والخروج على أوامراها، حتى إذا ما انقضت تلك الحياة الدنيا- وسرعان ما تنقضى- وجاء يوم الحساب والعقاب: () البقرة 166-167.

 

مكائد أدعياء الطريق وحيلهم:

وإليك بعضا من مكائدهم وحيلهم التى ينصبون شراكها لإيقاع البسطاء:

 

أول ما يبدوا لك من أحوالهم جرأة على الشريعة، وسوء أدب مع الله تعالى، وأمن واستهتار ينبئك بأن نفوسهم لقسة لم تتطهر من رجس الشهوات، ولو يوجد فيها القابل الذى يقبل الحقائق ويرضخ لها، وإذا ما أنكر عليهم منكر بعض أمورهم المخالفة للشرع الشريف، قالوا كذبا: إن حرمة ذلك فى العلم الظاهر، وإنا أصحاب العلم الباطن، وهو فى علما حلال، وإن الناس يأخذون من الكتاب والسنة، أما نحن فنتلقى من صاحبها محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أشكل علينا ما نتلقاه منه رجعنا إلى الله تعالى بالذات. وإنا بالخلوة، وهمة شيخنا نصل الى الله، فتكشف لنا العلوم، فلا نحتاج إلى كتاب والسنة، وإن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا برفض العلم الظاهر والشرعى، وإنا لو كنا على الباطل ما حصلت لنا تلك الكرامات العلية، والآحوال السنية، من مشاهدة الأنوار، وكشف الأسرار.

 

الرد على هذه المكائد والحيل:

 

كل ذلك ونحوه أكاذيب وترهات، بل هو إلحاد وضلال، إذ فيه ازدراء بالشريعة السمحاء، وإبطال لحكمة تشريعها، وإن الشيطان لم ينل من المسلمين ما ناله الفساق من المدعين التصوف بالباطل، فإن الله تعالى يقول: () سورة البقرة 282 والتقوى هى العمل بعلم الشريعة، لأن الأخذ بالعزيمة من شأن الأتقياء، من خالف الشريعة صار غويا لا تقيا، ومثله يعلمه الشيطان الطمع فى الأموال، وإباحة الأعراض، والكيد لمخالفيه والمنكرين عليه.

 

الذين يحصلون علم الشريعة ولا يعملون به:

كما أن الذين يحصلون علم الشريعة ولا يعملون به هم شر الخلق، لأن العاِلم إذا استعان بعلمه على نيل الدنيا من الملوك والأمراء، بل ومن المتسلطين من غير المسلمين، بأن يواليهم ويودهم ويتردد عليهم، سلب الله منه بركة العلم، وكان العلم حجة عليه يوم القيامة. وروى الإمام أبو عمر يوسف البر الأندلسى بسنده فى كتابه: (جامع بيان العلم) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول :

 

إن أول الناس ‏ ‏يقضى ‏ ‏يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب ‏ على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله ‏ عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو ‏ ‏جواد ‏‏فقد قيل ثم أمر به فسحب ‏ على وجهه ثم ألقي في النار ) رواه مسلم

 

وهذا الحديث فيمن لم يرد بعلمه ولا عمله وجه الله، وقد قيل فى الرياء: إنه الشرك الأصغر.

 

المعرفة بالله تعالى

الرضا هو المعرفة بالله تعالى:

أهل الطريق أسسوا طريقهم ألى الله تعالى على أيات كثيرة من القرآن، وأحاديث صحيحة وصلت إليهم بسند عال صحيح، من تلك الآحاديث ما رواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ذاقَ طعمَ الإِيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا) هذا الحديث الصحيح ركن من أركان الطريق الذى أخذ به أهل العلم بالله تعالى، لأن الذوق المنبعث عن الرضا هو المعرفة بالله تعالى، والمعرفة، أسكنها سبحانه قلب من أحبه من العباد، ولا شىء أجل وأعظم من ذلك النور.

 

حقيقة المعرفة حياة القلب وموت النفس:

وحقيقة المعرفة حياة القلب بالمحيى سبحانه، قال تعالى: () الأنعام 122 وقال جل شأنه: () يس 70 وقال تعالى: () النحل 97 وقال تعالى: () الأنفال 24 فمن ماتت نفسه بعدت عنه دنياه، ومن مات قلبه بعد عنه مولاه.

 

فأهل طريق الله تعالى رضى الله عنهم؛ لما ماتت نفوسهم بعدت عنهم الدنيا وبعدوا عنها، ولما قامت بحكم الحياة الدائمة بالله قلوبهم الطاهرة؛ قربت من الله، وقرب بسره المقدس منها، فهم ودائع مدد الله وخزائن أسراره، إليه يرجعون، وبه سبحانه وتعالى يهيمون، وعليه يتوكلون وإلى غيره لا يلتفتون، وكل ما يحمل على أكابرهم وأصاغرهم، خفيهم وظاهرهم، من الشئون التى تمس زهرة هذه الدنيا والفانية بحقيقتها، خلاف ما حملها عليهم الكذأبون، وأضافها إليهم الباغون.

 

مشارب أهل الطريق:

وهو رضى الله عنهم على مشارب وأطوار، فمنهم رب المظهر القهار، ومن المتحلى بالتجرد عن الآثار، ومنهم الملتحف برداء التعزز والوقار، ومنهم المتطيلس بطيْلسان الذل لله والانكسار، ومنهم المغلوب، ومنهم المجذوب، ومنهم المتمكن الجامع، ومنهم السيف القاطع، منهم شرعى الانبلاج، ومنهم البحر العجاج.

 

وكلهم ثقيلون على أهل النفوس الملوثة بأغراضها، والقلوب المملوءة بأمراضها، وهو غرباء عن حنس أولئك ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عنهم: (من يبغضهم أكثر ممن يجبهم) لأنهم يخالفون ما عليه النفوس وأربابها. والمقاصد الفاسدة وأصحابها. وقد روى: (من احب الله فليتخذ للبلاء جلبابا) فلابتلاء لأحباب الله تعالى لابد منه، ولكن لهم الغلبة على من عاداهم، والنصرة على من ناوأهم قال سبحانه: () المائدة 59 وقال تعالى: () يونس 69.

 

وكل أهل زمان لهم من الله حظهم بقدر احترامهم لأهل الوقت من أهل الله، وبقدر محبتهم لهم، وحسن ظنهم بهم، وصدق موالاتهم، وخالص الاجتماع لمتاهجهم، وسلوك طريقهم، والتخلق بأخلاقهم، مع إجلالهم وإعظام شأنهم. والعكس- العياذ بالله- بالعكس…. فإن إهانة أولياء الله، والكذب عليه، وإهمال حقوقهم، وهضم مقاديرهم، ينتج عن زيغ القلوب، وخبث النفوس، واستخفاف لأوامر الله تعالى، ومنى عمت هذه الأوصاف القبيحة قوما من المسلمين: ترى الخزى والفشل يعمهم، والذل يكتنفهم، ويدعون فلا يستجاب لهم.

 

لأن هؤلاء القوم هم أمناء النبى صلى الله عليه سلم فى الأمة، وهم العلماء بالله حقا، العارفين بسنته عليه الصلاة والسلام صدقا، المتمسكون بها، الناصرون لها، المفرغون للأخلاق المحمدية فى القلوب، الجاذبون ألباب الأمة إليه صلى الله عليه وسلم، هم نقطة الجمع للقلوب على أمر الله  وسنته ونبيه، وإعزاز كتابه، وتعظيم أمره، وتوقير أحبابه، فمتى أهملهم اهل زمانهم انفكت جماعتهم، وتفرقت قلوبهم، وهنالك فلا عز ولا مكنة، حيث يسلط الله عليهم عدوهم، وينزع المهابة عنهم.

 

نسأل الله تعالى أن يمنحنا الأدب فى جانب أوليائه رضى الله عنهم، وأن يوفقنا للأهتداء بهديهم، ويعلق قلوبنا بمحبتهم، ليسلكوا بنا طريق الله القويم، وصراطه المستقيم.

 

الباب الرابع

أساس الطريق

أولا: تحصيل العلم

العلم فى الكتاب:

أول واجب ينبغى على من أراد السلوك فى طريق الله تعالى تحصيل العلم، إذ هو أساس العقيدة، وروح العبادة، ومعلم الأخلاق، والرائد فى المعاملات، وهذه الأربعة  هى أصول الدين، ذكر الله تعالى العلم فى مواضع كثيرة من القرآن الكريم، تنبىء عن شرفه وتعظيمه، ورفع سبحانه قدر العلماء حتى عطفهم على نفسه، وخصهم بخشيته، والتعقل عنه، فقال سبحانه: () آل عمران 7 وقال تعالى: () فاطر 28 وقال عز وجل: () العنكبوت 43 وقال جل شأنه: () الزمر 9.

 

العلم فى الحديث:

وكذلك حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلب العلم، حتى جعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، وذكر فى تعظيمه وبيان قدره أحاديث كثيرة نكتفى منها بهذا القدر:

 

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: ( ما عبد الله بأفضل من فقهٍ فى دين الله، ولفقيهٌ واجدٌ أشد على الشيطان من ألِ عابد، ولكل شىء عمادُ وعماد الدين الفقه)،  وعن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ؛ وهو الأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، ومنار سبيل أهل الجنة ، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة يقتصّ آثارهم، ويحتذى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في ظلهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومداومته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، هو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء)

 

من ذلك تعلم أن تحصيل العلم أساس السلوك فى طريق الله تعالى، إذ هو النور الذى يهدى إلى الرشد، ويكشف للسالك عما قد يعترض طريقه من عقبات ومهاوٍ.

 

ما المقصود بالعلم؟:

ولسنا تقصد بالعلم تلك القشور التى أضاع فيها العلماء أعمارهم، وهم لا يزدادون بها إلا بعدا عن الله تعالى، ومسارعة فيمن حكم القرآن بالكفر على من وادَّهم، أو تزلفا لأصحاب الجاه والمناصب، رضا بالحياة الدنيا واطمئنانا بها.

ولا نقصد علوم المادة والفلسفة الخرافية، التى أضلت أهلها، وجعلتهم يتخذون المادة إلها معبوداً، ويكفرون بالله، ويحقرون دينه، فإن هؤلاء وهؤلاء حكم عليهم القرآن بقوله تعالى: () الروم 7.

 

وإنما نقصد بالعلم، علم المعرفة بالله تعالى، الذى يهدى القلوب إلى معرفته، والعقول إلى توحيده والأرواح إلى محبته، والأجسام إلى الفناء فى عبادته والقيام بأمره، فذلك هو العلم المفروض على المؤمنين جميعا، لأنه قوام العقيدة، وروح الإيمان، ومن حرمه أو أهمل فى طلبه فقد حرم السعادة والخير.

 

العالم الربانى يهدى إلى الطريق:

ولم يستطيع السالك أن يخطو فى طريق الله تعالى خطوة؛ إلا على يد عالم ربانى، منحه الله علم المعرفة به، وكاشفه بأسرار حكمته، وبدائع قدرته، حتى أصبح دالاُّ به عليه، واقتدر على بيان الحقائق بلسان الحكمة المؤثرة على النفوس.

 

أما أولئك الجهلاء، الذين يظنون أن السلوك إلى اله تعالى بالعبادة والعمل، دون العلم فهم محجوبون، ناكبون عن الطريق، لأن العلم من غير علم المعرفة يجعل القلب قاسياً، والقلب القاسى بعيد عن الله تعالى، ولو عبد الله ألف سنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل العلام على العابد كفضلى على أدناكم) وقال عليه الصلاة والسلام: (قليل من العلم خير من كثير من العبادة).

 

فعليك أيها السالك أن تسعى إلى العالم الربانى، لتتلقى منه علم المعرفة بربك، بعد أن تعرف نفسك، حتى ينتهى بك السلوك إلى الوصول.

 

ثانياً: العمل بالعلم

العلم وسيلة للعمل:

العلم مقصد عظيم، وكل ما سواه من المال والبنين والعافية والزوجة؛ إنما هو وسائل لتحصيل العلم، الذى هو المقصد الأعظم، والعلم وسيلة للعمل، فالعمل بالنسبة للعلم مقصد عظيم، والعلم له وسيلة. والعمل وسيلة للتقرب من المعلوم جل جلاله، ولنيل رضوانه. والتقرب ونيل الرضوان مقصدان عظيمان، ولكنهما وسيلتان لنيل شهود جمال الله تعالى. ونيل شهود جمال الله تعلاى فوق العلم والعمل.

 

ترك العلم بالعلم خسران:

والله جل حلاله لا يمنح ما عنده بمعصية، لأنه تعالى غنى عن العالمين، فالعمل بلا علم لا يُرفع، والعلم بلا علم لا ينفع، والعمل والعلم بلا إخلاص لا يقبلان، والعالم إذا ترك العمل خاب فيه الأمل ، لأنه قدوة العلام ومحل نظرهم، ومن علامات بغض الله تعالى للعماء بالأحكام وبالدنيا وسياساتها أن يتركوا عمل القلوب، ويتهاونوا بعمل الجوارح، فتكون قلوبهم محلا للحسد والهمم الشيطانية، واللمم  البهيمية، يتقربون بما حصلوه إلى الظلمة، والملوك ولو كانوا كفاراً ويستعينون به عندهم على نيل الخير العاجل.

 

وقد يكون العلم بالدنيا لدى العلماء بالدنيا سببا فى سلب الإيمان-نعوذ بالله- لأنهم يعينون أهل القوة والمال والسلطان، ولأنهم يحسنون لهم أعمالهم، ولا يخافون الله فيهم، ويخافونهم، فإذا هم الظالم بعمل يخالف الله ورسوله: أعانوه عليه خوفاً منه، ولم يخافوا من الله تعالى. أقول: يسلب بهذا العلم الإيمان من العالم بالدنيا؛ لأنه ينسى نفسه، ويعتقد أنه عالم، والعالم فى الحقيقة هو الله، وكل من سواه متعلم منه سبحانه، فإذا نسى العالم نفسه؛ وحكم لنفسه بالعلم؛ نسى الله تعالى، قال الله تعالى: () الحشر 19.

 

إذا خاف العالم من الموت ونسى يوم القيامة وسارع فى أعداء اله تعالى قائلا: نخشى أن تصيبنا دائرة، واقتدى به العالم فى هذا العلم ضل وأضل، فكان كالمرض المعدى، وكان علمه شرا عليه. أعاذنا الله تعالى من مرض أهلك إبليس فظن لعلمه أنه خير من غيره وخالف أمر ربه. أما العلم بالله تعالى وبأيامه وبأحكامه فهو العلم الذى يهبه الله تعالى لمن يشاء من أحبائه وهو العلم الذى ينفع الله به عباده.

 

العالم الذى بعمل بعلمه:

وهذا العالم لا يخالف علمه ما دام مؤيدا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلمه نجاة العالم أحمع، لأنه يعمل بعلمه عمل القلوب فيما بينه وبين ربه، ويعمل بعلمه علم الأجسام مخلصا لله تعالى أمام إخوانه، فيكون له المقام العلى عند الله بعمل قلبه، قال الله تعالى: () ق 37. صاحب القلب المتقلب فيما يقربه من الله تعالى، وصاحب البصيرة المشاهدة لآيات الله تعالى فوق العالم العامل بجسمه لا بقلبه، لأنه علم بقلبه عملا قربه من الله تعالى، وعمل بجسمه عملا أناله الله تعالى به فضله ورضاه، ونفع به أهل عصره، كما قال سبحانه: () الفرقان 74.

 

العمل بحكم ما أنزل الله:

 

الأساس الذى أسس عليه أئمة أهل المجاهدة طريقهم هو أساس واحد. وهو أن الحاكم هو الله، والحكم له سبحانه وتعالى () يوسف 40.

 

وقال تعالى: () المائدة 45.

وقال تعالى: () المائدة 47.

وقال تعالى: () المائدة 46

وحكم الله هو كتاب الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن كلام رسول الله صلى الله عليه سلم هو حكم الله تعالى () الحشر 7.

حكم من حكم الذوق والحال والوجد:

وقد جهل بعض الناس ممن لا علم لهم بالطريق، فظنوا أن أهل الطريق يحكمون الذوق والحال ولو خالفوا فى ذلك الشريعة. ومن يعتقد ذلك فى أهل الطريق فقد جهل مبادئهم، ومن جهل شيئا عاداه، فإن الذوق قبس من نور اليقين، أى : هو فوق العلم. والحال ظهرو أنوار اليقين على السالك المخلص حتى يكون متجملا بجمال أهل الخشية والخوف من الله تعالى، والرغبة فيما عنده سبحانه، والوجد حضور بالقلب والسر مع الرب جل جلاله، ولا يمن الله بتلك المعانى على من خالفوا حكمه سبحانه، ومن حكم الذوق والحال والوجد وخضع لحكمهم فثد عبد غير الله، وما عند الله لا ينال بمعصية.

 

واجب الوقت:

إذا انقاد أهل الطريق بذوقهم وخالهم ووجدهم، فليس ذلك أنقيادا لها، وإنما انقياد لواجب الوقت الذى أوجبه الله على السالك، مسارعة إلى تنفيذ حكم الله تعالى الذى تلقاه عن الله، إما صريحا من كتابه العزيز، أو من عمل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل أئمة الهدى من الصحابة والتابعين، أو استنباطا من الكتاب والسنة، فإذا اضطر إلى الحكم على أمر ولم يستبين له؛ رفعه إلى أعلم منه، فإذا خفى عليه نظر بعين المخافة من الله، وفكر فيه بقلب ملؤه الخشية من الله، فإذا ظهر فيه مصلحة وخير، خكم بإباحته، وإن هر به فيه مفسدة ومضرة، حكم بأباحته، وإن ظهر له فيه مفسدة ومضرة، حكم بكراهته. فإن روح الشريعة تقتضى بأن كل ما هو خير مباح، فهم فى ذوقهم وحالهم ووجدهم مقهرون بحكم الله تعالى، وكل ذوق أو وجد أو حال يخالف حكم الله تعلى يفرون منه ويتبرءون منه.

ولعلك تنكر قولى: واجب الوقت. فأبين لك هذا الأمر: أخر صلى الله عليه سلم صلاة العصر إلى الغروب فى غزوة من الغزوات وقال: (حبسونا عن الصلاة الوسطى فملأَ الله قبورهم ناراً).

 

وجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى المسجد يذكر أصحابه بأمر فأخر صلاة العصر، فقال المؤذن: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال: نحن فى صلاة. فقد يقتضى الوقت طهارة القلب فيسارعون إلى طهارة القل، فإن كل عمل لم يكن صادرا عن قلبٍ مردود.

 

العلماء بالدنيا الجهلاء بالآخرة

 

ولا عجب فان علماء الدنيا أعانوا الظلمة والكفرة على مفاسدهم وأباطيلهم , وأضلوا العامة بمسارعتهم إلى أعداء الله تعالى والمخالفين لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) (1) وقال تعالى : ( واخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبنينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون ) (2) هذا لان جميع العالم يعتقدون أن العلماء هم الأئمة وهم النور ويقبلون منهم مالاً يقبلونه من غيرهم  , وهؤلاء ليسوا بعلماء الله وبأيامه وبأحكامه وبحكمة أحكامه ولكنهم علماء بالدنيا وبالوجوه التي يحصلونها بها , قطع حب الدنيا قلوبهم عن مشاهدة الآيات في الكائنات , وأعمى الحسد والمنافسة في الدنيا وحب الشهرة بها أبصارهم عن السياحة في ملكوت الله , فعظموا ما حقر الله وأهانوا ما عظم الله , فتراهم أذلاء

  • سورة المائدة أية 13
  • سورة آل عمران آية 187

 

العلماء بالله :

 

أما العلماء بالله تعالى , فغنهم يسارعون إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين , فيغمرون الانفاس بما يحبه الله مراقلة لله وخشية من عظمته , وعملا بما يحبه ويرضاه فيهدى الله بهم أهل عصرهم  , فالعالم كالنجم المشرق فئ الليل المظلم كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أكرموا العلماء فإنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة ) ,  قال الله تعالى : ( فلولا تفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قوهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (1) , وقال تعالى : ( إنما يخشى الله من عباه العلماء ) (2) , وأهل الخشية قليل ومتى اظهر الله رجلاً من اخل الخشية عم نور اليقين أهل عصره واشر الناس يوم القيامة رجلاً يبيع دينه بدنيا غيره , فلينتبه أدعياء العلم وليتقوا الله فيما حولهم من العلم بأحكامه سبحانه فإن تقوى الله بها نيل العلم بالله وصحبة العلماء الربانيين قال تعالى : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (3) ون خاف عير الله أبعده , ومن طلب الله وجده فدله على من يدله عليه .

 

 

اهل الطريق يهتدون بهدى السلف الصالح :

 

إن الله سبحانه وتعالى قد أكرم أهل الطريق بنا هو كمعجزات أنبياء الله السابقين على نبينا وعليهم الصلاة  والسلام وكيف يستجيب الله تعالى لمن لم يستجب له أو يكرم بآيات من خالف حكمه ؟! فأساس طريقهم رضي الله عنهم العمل بحكم الله ومخالفة كل ما خالفه , حتى أنهم يخالفون كشفهم الصريح ويرجعون إلى حكم اله تعالى وائمتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان الرجل منهم  رضي الله عنهم إذا حكم بحكم وظهر له حكم الله تعالى قال : أخطأت ورجع إلى الحق فإنما أهل الطريق إتباع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتدون يهديهم رضي الله عنهم جميعاً , وكيف يتخيل متخيل أن قوما اقبلوا على الله تعالى بالكلية يعتقدون أنهم غير معصومون يحكومون ذوقهم وحالهم ووجدهم ويتركون حكم الله تعالى ؟! والحق فوق الخلق عند غيرهم فكيف عندهم ؟ هم مع الحق وان شهدهم من جهل حالهم مخالفين حكم الله تعالى ؟! والحق وفوق الخلق عند غيرهم فكيف عندهم ؟ فهم مع الحق وان شهدهم من جهل حالهم مخالفين , ولذلك فانك تراهم يطيعون فقيراً مسكيناً , وتذل له نفوسهم الكبيرة وتخشاه قلوبهم ويبذلون له نفوسهم ونفائسهم ويعادونى لأجله الملوك والجبابرة ما ذلك إلا لأنه أحبوا أهل الحق ولو كانوا أذلاء فقراء مهانين مرذولين في أعين الناس , ولو أنهم لم ين الحق مقصدهم إلا ولما أذلوا انسفهم العزيزة لفقير مسكين !! واتخذه سيداً وإماماً يخدم نعليه ويذل بين يديه ويسمع له ويطيع , مع ان الملوك تسترضيه فلا يرضى عنهم , وما ذلك الا للحق سبحانه

  • سورة التوبة آية 122
  • سورة فاطر آية 28
  • سورة البقرة آية 282

 

 

 

 

 

 

ما اختلاف الطريق ؟

 

 

 

 

قال رضى الله عنه وأرضاه :

 

ما اختلاف الطريق والقصد واحد

                                والصراط السوي للمتواجد

ذا لان النفوس مختلفات

                              كل نفس لها سبيل وشاهد

والرجال الأفراد فوق صراط

                                 بدؤه الكشف للمراد الواجد

من الست شربوا طهوراً مداراً

                             أسكرتهم لهم يلفتنهم معاند

افردوا الله باليقين وفروا

                              من سواه إليه والفضل وارد

من لدى البدء ووجهوا بجمال

                                يجذب الروح للولي الواحد

والمراد المحبوب افرد بالقصد

                                        عليا هو الإله الواحد

والنفوس المرضى تسير الهوينا

                                  للايادى أو للعطا والموائد

أو لأجر تسعى ونيل حظوظ

                                   في جنان النعيم بين الولائد

بين باك من خوف نار وراج

                                     جنة الخلد في عناء يجاهد

بين روع فيما يزول لقصد

                                       فوزه بالقبول تجده عابد

ذلك سر التفريق والوجه قصدي

                                     من ألست وطالب الغير جاحد

أفرد المجتبون وجها عليا

                                     باليقين القوى محو العوائد

لم يعقهم عناصر وحدود

                                             كل فرد لله بالله عائد

ظللتهم أنوار شمس التجلي

سترتهم عنهم فبشرى لصاعد

                                      قصدهم واحد إليه انابوا

بل له اسلموا بقلب واجد