فى ذكرى المولد النبوى الشريف 1

في ذكرى المولد النبوي الشريف
 
ليالي رسول الله كما يقول الوارث المجدد  والعارف المحقق السيد محمد ماضي أبو العزائم إمام القرن الهجري الرابع عشر :
 
ليالي رسول الله أشرق نورها
علينا وفي الكونين فاح عبيرها
فبشرى لمن أحيا ليالي محمد
فها هي بالإقبال لاحت بدورها
فهيا بنا نحيي ليالي أحمد
لنحظى بفردوس الجنان وحورها
خصوصا ليالي الصفو والقرب واللقا
ليالي طه قد تبدي سرورها
ألا يا رسول الله جئناك نرتجي
بك الغوث يا ضوء العيون ونورها
ألا يا حبيب الله جئناك نرتجي
بك الغوث من نار الجحيم وحرها
 
 
وكل روح مؤمنة تتصل بالروح الكلية .. والروح الكلية هي المصطفى صلى الله عليه وسلم  إتصالا على قدر مرتبتها من المحبة لا على قدر المصطفى عليه الصلاة والسلام .. فإن قدره لا يعرف حقيقته إلا الله .
 
كل الوجود بأسره في دهشة
والكون عن فهم الحقيقة حائر
عجز الورى عن فهم سر محمد
لم يدره إلا الإله القادر
 
 
ويقول أيضا من قصيدة له :
 
 
 
يا خليلي قم واغتنم وتمل
واسمع الدر أجله من لساني
فعطايا طه علينا توالت
وبفضل النبي عز مكاني
قد حباني طه بسر خفي
ولرؤياه يا سروري دعاني
فشهدت جماله بكمال
ليس يحصيه يال قوم جناني
غير أني شهدته السر
قد تجلى في كل هذا الكيان
ظاهر ظله وليس يراه
غير مولاه في المقام المصان
هو سر بل قبضة النور فافهم
سر هذا في محكم  القرآن
كل أهل السماء والأرض طرا
لم يروا منه غير بعض المباني
فتأدب واحفظ فؤادك واعلم
عجز كل الورى عن التبيان
 
 
والواصف مهما وصف فإنه لا ولن يصل إلى صور الكمال الأكمل في حقيقتها الكلية، فهو المرسل رحمة للعالمين، وكما قال الله عن نفسه{اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(الأعراف : من الآية 54) قال لـه ليعلم الكل {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء : 107) أي لو أننا لم نرد أن نرحم العوالم عاليها ودانيها - ما عُلم منها وما لم يُعلم وما ظهر منها وما بطن - لضننا بك ولما أظهرناك، لكننا أردنا  أن نرحم العوالم رحمة كاملة شاملة فأرسلناك .. لأنك تمثل الرحمة العامة والنعمة التامة . هدى الله به الجمادات والنباتات والحيوانات وبني الإنسان، ورحم به عالم الجن، ورحم به عوالم الملائكة والكرسي والعرش، وعوالم عالين وأعلى عليين، والكُروبيون والآلهون إذ أن كل العوالم مرحومة به  صلى الله عليه وسلم. ولأن لكل عالم من العوالم قسط من رحمته صلى الله عليه وسلم.. فقد أسرى الله به وعرج به لا ليرى ربه من فوق سبع سماوات أو يرى ربه من فوق عرش .. فالله منزه عن الزمان ومنزه عن المكان، منزه عن الفوقية المكانية إذ هو المحيط بكل ذرات الوجود {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}(البروج : 20) ولكنه سبحانه  أسرى به صلى الله عليه وسلممن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليكمل الله نعمته على الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى أولا .. عندما عقدت الجمعية العامة للأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى إذ كانوا جميعا في استقباله  صلى الله عليه وسلم  ليروا فيه صورة الكمال الحقي وليتحقق لهم أنوار المبيعة الأولى حيث يقول الله في قرآنه  {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ..}وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم فكما قال لنا {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ  ..}(التوبة : 128) قال لهم {.. ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ..}أي عهدي {.. قالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}(آل عمران : من الآية 81)، فكانت صورة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلمفي غيب غيوب الله تعالى بالنسبة لهم وهم صفوة الخلق من البدء إلى الختام .. هم الأنبياء وهم الرسل وهم الدعاة والهداة، مع علو ما أقامهم الله فيه من خيرات وبركات ومبرات ومسرات - فإن صورة الكمال المحمدي كانت في غيب الغيب بالنسبة لهم، فلما أخذ الله البيعة عليهم لـه وعاهدهم وواثقهم لحضرته  صلى الله عليه وسلم  بأن يؤمنوا به وأن ينصروه .. كشف لهم الستار عن جماله وقال لهم ها هو  صلى الله عليه وسلم{.. فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ  $ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران : 81 & 82) ولهذا يقول الإمام العارف بالله أبو العزائم :
الرسل من قبل الحبيب محمد
نوابه وهو الحبيب الهادي
موسى وعيسى والخليل وغيرهم
يرجون منه نظرة بوداد
رغبوا يكونوا أمة لمحمد
وبحبه فازوا بكل مراد
وبمحكم القرآن بايعهم لـه
أن يؤمنوا بسراجه الوقاد
 
 
المصطفى أسرى به ثم عرج به لينال أهل السموات قسطهم من الرحمة ولتنال عوالم ما وراء السدرة قسطها من الرحمة حيث وقف الروح جبريل الأمين دونها ولم يتخطاها لعلمه بمكانة نفسه وما أقامه الله فيه - ولهذا قال للمصطفى  صلى الله عليه وسلم:  إلى هنا مقامي، ولو تقدمتُ لاحترقتُ، وما منا إلا لـه مقام معلوم . هنا يقول العارف بالله السيد محمد ماضي أبي العزائم :
 
قفي روحي فالمحبوب عند حبيبه
وليس لـه ثان لديه دع الفكرا
وهذا مقام فيه يا روحي سلمي
فسر اجتلا الأوصاف لم يظهرن جهرا
أيا مصطفى الله العلي ونوره
مرادي في الدنيا اتصالا وفي الأخرى
 
 
ويترجم تلميذه الشيخ أحمد سعد العقاد عن بعض المعاني التي زرعها في قلبه أستاذه ومربيه أبو العزائم في قصيدته الطويلة ( نهج البردة ) فقال :
 
جبريل وهو عظيم في مكانته
لم يستطع يلج الأنوار بالهمم
والمصطفى سبق الأرواح أجمعها
بالجسم والروح فافهم زهرة الحكم
إن كان جسم حبيبي في لطافته
أصفى وأرقى من الأرواح كلهم
فكيف تدرى معانيه وباطنه كنز
علا . فلا تبحث ولا تحم
 
 
ثم يخبرنا الإمام عن سر من أسرار الإسراء والمعراج فيقول :
 
تنزه عن كيف وعن برهان
وما كان رب العرش فوق سمائه
 لعالمه الأعلى برحمة حنان
وحكمة إسراء الحبيب إغاثة
 
والرسالة تنقسم إلى قسمين : بشرى، وإنذار - قال سبحانه للحبيب المصطفى  صلى الله عليه وسلم{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}(الأحزاب : 45) ومنحه الشهادة العامة على جميع الشهداء - وهم أنبياء الله تعالى ورسله قبل أن يبعث المصطفى  صلى الله عليه وسلم،ثم هم ورثته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى - قال لـه {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}(النساء : 41 ) بل لقد أعطى الله أمته - من باب محبته الذاتية لحضرته - الشهادة على الناس وجعله صلى الله عليه وسلمشهيدا علينا كما هو شهيد على الأنبياء والرسل {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}وقال للرسل {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً}(المؤمنون : من الآية 51)، وقال لنا لأجله صلى الله عليه وسلم{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}(البقرة : من الآية 57)، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم  أعطى الإشارة والإنذار لا لعالم الإنس فقط بل لتشمل البشارة والإنذار العوالم - قال تعالى للبشارة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء: 107) وقال تعالى في الإنذار{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}(الفرقان : 1) فالجن توقفت الرسالات بالنسبة لعالمهم بعد بعثته صلى الله عليه وسلملأن الله كان يرسل إلى الجن رسلا منهم كما كان يرسل إلى الإنس رسلا منهم - ولهذا يقول الله {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}(الأنعام : من الآية 130) فكما ختم الله النبوة بالنسبة لعالم الجن فقدختم النبوة بالنسبة لعالم الإنس .. لأنه صلى الله عليه وسلمنبيهم كما هو نبينا ورسولهم كما هو رسولنا، وقد أخبرنا الله في القرآن أن الجن كانوا يجالسونه صلى الله عليه وسلموأن الله كان يصرف جماعات منهم إلى حضرته صلى الله عليه وسلم{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَبا   $  يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً} (الجـن : 1 & 2) وأخبرنا أيضا في قوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِين   $  قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ   $  يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم   $  وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}  (الأحقاف : 30 - 33) فهو  صلى الله عليه وسلمرسول للجميع .
ولك أيها الأخ في الله أن تستحضر بقلبك اللفتة الإلهية عندما يخاطب رب العالمين حبيبه المصطفى  صلى الله عليه وسلمثم ينتقل إلينا مباشرة، ثم بعدها إليه  صلى الله عليه وسلم-  فيقول في سورة الفتح {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً  $  ..}ثم يوجه الحديث إلينا وكأننا في حضرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلمورسول الله جالس يستمع وأرواحنا في الحضرة تستمع، ثم يقول لنا {.. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً   $  ..}ثم يتوجه بالقول إليه فيقول  {.. إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}( الفتح : 8 - 10) . إستحضروا هذا الجمال لتتصل القلوب به  صلى الله عليه وسلمولتتصف الأرواح بروحه الكلية صلى الله عليه وسلملأنه لا يغيب عن قلب مؤمن أبدا طرفة عين - كونك أنت تغيب عنه فهذا شأنك فهو لا يغيب عنك لأنه مسئول عنك ومطالب بك . وواجبك نحو نفسك أن تعلم هذه الحقيقة لأن الله ينادينا بقوله {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}(الحجرات : من الآية 7) .
رسول الله صلى الله عليه وسلمهو القرآن .. وهو السنة القولية والعملية والتقريرية .. رسول الله ساري نوره في وجود أحبابه في كل عصر وجيل وقرن من القرون، يتراءى لنا جماله في صور العلماء العاملين، وكل مؤمن فيه سر من أسرار الله ، ولهذا نحتاج لبعضنا جميعا ليكمل بعضن {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}(آل عمران : من الآية 101) {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(النساء : من الآية 83) . إستحضر بقلبك حديثه " ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي " ( البخاري : 107  ) فمن أهل الإيمان من تصفو زجاجة قلبه وتصقل مرآته لدرجة أنه إذا أراد أن يرى رسول الله عيانا استأذن من إخوانه لينام بجسمه فقط .. والله لقد رأيت أفرادا من هؤلاء كان الواحد منهم إذا أراد أن يأنس بالصورة المجملة الجمالية طلب من إخوانه أن ينام لدقائق، وبمجرد ما ينام البدن يحدث الإتصال الكامل. ولا أريد أن أعرج على من يكرمون برؤيته جهارا .. لا تلم ولا تنكر لأن المنكر لا يكون لـه نصيب من هذا الذي أنكره.
صاحب القلب السليم إذاً‌ هو صاحب الوصل والإتصال لأنه  صاحب السير والسلوك على المنهاج الذي رسمه للأمة حضرة الحبيب المصطفى  صلى الله عليه وسلميعيطنا رسول الله  صلى الله عليه وسلمالإشارة من التحيات في الصلاة فقال قولوا " التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " وهل أحد منا يقول السلام علىالنبي ورحمة الله وبركاته ؟ القول من المصلين (السلام عليك ) فالكاف كاف الحضور وكاف الخطاب ، ولماذا ؟  ليعلمك أن روحه الكلية سارية مطلقة .
ومن جالس أهل الحجاب وأحبهم حجب بحجابهم .. من جالس أهل العلم وأحبهم نهل من علومهم وأكرم بأسرارهم "  المرء على دين خليله فينظر أحدكم من يخالل "  (  أحمد : 8065 ) كما قال سيد الخلق  صلى الله عليه وسلم .. ولتقرأ {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}(الزخرف : 67) مع قول الله تبارك وتعالى في توجيهه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}(التوبة : 119) . ولا يخل زمان من أهل الصدق مع الله ورسوله {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً   $   لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ}(الأحزاب : من الآية 24) وهم أهل مقعد الصدق عند المليك المقتدر {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ  $  فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}(القمر : 54 & 55) .
رسول الله  صلى الله عليه وسلميا أيها الأحبة .. زينة .. لأنه نور الحق .. وسر الحق .. وشمس المعارف الإلهية .. وبدر الشريعة الغراء .. وهيكل المسلم المؤمن الذي أكرم بإسلام الوجه لله - أي الحقيقة لله - أفق مبين تظهر فيه أنوار رسالة رسول الله  صلى الله عليه وسلم:
 
كيف ذا ؟ والنور في الأفق المبين
لا يغيب النور عن أهل اليقين
ظاهرا في كل فرد في أمين
نورتنا الشمس أشرق نورها
ربنا المعبود مولانا المتين
نورنا شمس علت تدعو إلى
يا طالب الحق اليقين
شمسنا طه الحبيب المصطفى
كيف يخفى نور رب العالمين ؟
من يقل غابت فذاك لحجبه
 
ولهذا نجد في مجالس أهل الصلاح والتقوى أنوار التنزل الملكوتي .. لما ؟ لأن هذا هو قول الله {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ}(فصلت : من الآية 30) . إذاً .. مجالس أهل الإستقامة وأهل الإنابة والكرامة هي مجالس التنزل الملكوتي. والتنزل الملكوتي ينبئ عن الطهر والقداسة لأنهم {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم : من الآية 6) فطروا على الطاعة لله وذكره وشكره وتسبيحه ونور الإقبال على حضرة الكبير المتعال سبحانه .. وهم لا يسأمون، تنزلهم دائم ومستمر، ولكن على من ؟ على من أهلوا للتنزل. وأمامنا فريقان : فريق جعله الله متنزلا للملائكة، وفريق آخر جعله الله متنزلا للشياطين - نسأل الله الحفظ والسلامة، فالملكوت يتنزل، والشياطين أيضا تتنزل - قال تعالى {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ  $  تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}(الشعراء :221 & 222) فكل أفاك كذاب أثيم أحاط به الإفك من كل جانب وهو يكذب على الله ورسوله .. تنزل الشياطين عليه لأن نفسه أمارة بالسوء .. أما أهل الإيمان وهم أهل محبة النبي العدنان  صلى الله عليه وسلم، وهم من جالسوا أهل العلم والحكمة والخشية والذكر والفكر والتدبر وأحبوا أهل التوكل والخوف والرجاء من الله وما إلى ذلك من مقامات اليقين .. فإنهم في أمن وأمان وفي سلام وسلام، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب لأنهم يجاهدونها بعدد أنفاسهم ليدخلهم الله رب العالمين في قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت : 69) . ولكني أريد أن أشير لهذا المجلس النوراني إلى أن لله أحبابا لا يحتاجون إلى بذل المجهود لينالوا مرتبة الشهود، لأنهم يتفضل عليهم سبحانه بهذه المرتبة بمحض الفضل والجود. أناس يكرمهم الكريم سبحانه بالمقامات العلية والمنازلات الربانية، وبسابقة حسناه بسر عنايته الأزلية بلا علة ولا عمل . فهناك من يوصلهم العمل للشهود – ومن يدفعهم الشهود إلى صالح العمل . واحذروا أن تقولوا أني أغرر بكم بالألفاظ . أريد أيها الأحباب أن لا يضيع العمر في الروضة ولا في سنة أولى ابتدائي ولا في ثانية ابتدائي .. فلما أن الدنيا تُطْلَبُ منازلها ودراساتها وشهاداتها، والرفعة والمكانة الإجتماعية - ونحن نؤيده وندفع الناس إليه، ولكن ليس هذا هو المقصود، إنما المقصود أسمى وأعلى من هذا وهو أن ترقى على معراج الحب في رسول الله صلى الله عليه وسلم. والإمام أبو العزائم رضوان الله تعالى عليه يقول ( أحب رسول الله بالروح والقلب ) والذي يقول هذا الكلام إن لم ينطق به عن صدق ويقين وإخلاص فهو  كاذب يمقت لأنه قال غير ما يفعل، والله يقول {يَا أَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ   $  كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}(الصف : 2 & 3) .
 
وحبي لـه نيل السعادة والقرب
أحب رسول الله بالروح والقلب
جوارك في الدنيا ويوم لقا ربي
أحبك يا خير النبيين أرتجي
أنال بها وصل الحبيب مع الصحب
أنلني رسول الله بالحب قربة
ووصلك يشفيني من السقم في شيبي
حبيبي أنت القصد بل  غاية  المنى   
وعطفا أيا مولاي للعاشق الصب
تعطف رسول الله بالوصل أحيني
فنظرة إحسان بها ينمحي حجبي
غرامي رسول الله هيج لوعتي     
فأسكرني حسن الجميل لدى قربي
رأت عين قلبي حسن وجهك سيدي
 
والجوار في الدنيا يعني جواره وهو حي يتقلب بين الأحباب، نريد جوارا معنويا، رحموتيا نعموتيا نحظى فيه بالعلم بالله وبأيامه وبأحكامه و بحكمة أحكامه تبارك وتعالى، وهو جوار نكرم فيه بأخلاق المصطفى  صلى الله عليه وسلموبآدابه - فهذا هو الجوار المطلوب .. جوارك في الدنيا ويوم لقا ربي .
وهناك ذكرى لكي يتذكر الناسي، ويا رائي تنبه ويا نائم استيقظ -. لكنا نريد ذكرى الذكر، أي أن نذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما أمرنا الله بالذكر - قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  $  وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ..}فلو اتحد المسلمون على كتاب الله وسنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بغير اختلاف وكانوا جميعا على قلب رجل واحد قرآني نقي وفي صفي محمدي أحمدي .. الله لأوصلهم الله لهذا الذي ذكرته ولزلزلت جبال الكون لدعوتهم. ثم يأمرنا الله بقوله {.. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ..}وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أكبر نعمة في الدنيا وفي الأخرى، وهو نعمة الإيمان - ومن جعل نعمة الإيمان دون أي نعمة في الدنيا فقد خسر خسرانا مبينا. ونعمة الإيمان هي نعمة النجاة من غضب الله ونعمة القرب من رحمته سبحانه والتمتع بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلملأنه نعمة الله ، ولهذا قال " يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة " ( الدارمي : 15) . أسدى الله إلينا هذه النعمة فقال {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}(المائدة : من الآية 7) لأنه الهادي صلى الله عليه وسلموالحق يقول لـه {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  $  صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}(الشورى : 52 & 53) . {.. إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ  ..}(آل عمران : من الآية 102 &  103) بنور التوفيق وسر التأليف وسر اتباع حضرة المحبوب صلى الله عليه وسلمفأصبحنا  إخوانا في الله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الحجرات : 10) {.. فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ  ..}لأن الإنسان كان في دائرة البعد والضلالة والغفلة عن الله ، في دائرة ظلمات الجاهلية {.. فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(آل عمران : من الآية 102 & 103) .
والبيوت تنقسم إلى قسمين : بيوت إخوان وبيوت غير إخوان. والأخ في الله هو من إذا نسيت ذكرك وإذا ذكرت أعانك، والأخ في الله هو أنت إلا أنه شخص آخر .. اعتقاده هو اعتقادك، وجهته وجهتك، يقدمك ويؤثرك على نفسه وأهل وماله وولده، وأنت كذلك بالنسبة لـه. هذا الأخ بصفاته العالية عزيز في الكون ونادر - ولكن أين هم ؟ ومن هم ؟ {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ})ص : من الآية 24) ونسأل الله أن يجعلنا منهم. بيوت الإخوان بالذات لها سر في القرآن، ووصف الله بيوت الآخرين بالغيرية – فقال{لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ..}أي أنه جعلك إنسانا يستأذن للدخول فإذا إذن لك بالدخول دخلت وسلمت على أهل الدار {.. ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  $ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}(النور : من الآية 27 &  28). إنظروا إلى بيوت الإخوان في الله ، أطلق الله ولم يذكر غيرا أي نفى الغيرية فقال {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}(النور : من الآية 61) فجعل من في الدار هم نفسك، هم أنت وأنت هم. وإياكم والظن بأن أي مسلم صادق في إسلامه هو الأخ في الله لكم - وليس بشرط أن يحضر الحضرة .. الأخ في الله هو من أسلم وجهه لله وتمثل فيه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لهذا يقول أبو العزائم :
 
 
بالنفس والمال والرحمن يعليه
بربكم وطني والإسلام أفديه
 
فرض علي بصدق القول أرويه
والمسلمون همو نفسي وحبهمو
هو العدو بعون الله أرميه
وكل من ناوىء الإسلام غطرسة
 
لله في الله حقا لا بتمويه
نفسي ومالي قليل إن أجود به
 
من شر كل أولي الطغيان أحميه
 الدين موطن نفسي أصل رفعتها
 
 
 
 
 
 
 
 
لهذا أدعوكم إلى مدارسة القرآن مع أهل القرآن،وأدعوكم إلى ورد قرآني يومي، فإن المائدة العالية الكبرى هي مائدة القرآن، ورسول الله صلى الله عليه وسلميتمثل في كل حرف من حروف القرآن. ومن أراد رسول الله صلى الله عليه وسلمفعليه بالقرآن. تزودوا من مأدبة الله، وأكرموا أنفسكم بكلام الله، ويذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم" خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ( البخاري : 4639 )، وتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم"أهل القرآن أهل الله وخاصته " ( إبن ماجه : 211 وأحمد : 13053).وتعلموا العلم من أهل العلم النافع، وخالطوهم وعايشوهم وأحبوهم ليكرمهم الكريم كما أكرمهم ولينفعكم بالعلم كما نفعهم وليرفعكم بالعلم كما رفعهم. إذا فعلنا هذا وتباعدنا عن مجالسة أهل الحظوظ والأهواء والشهوات القاطعة الجامحة عملا بقول الله تعالى {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(الأنعام : من الآية 68) {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(هود : من الآية 113) شرح الله صدورنا ويسر أمورنا وفرج القلب النوراني السليم وجعل أرواحنا هائمة تتصل بمدد الله الأعلى .. إذا فعلنا هذا اتصلنا اتصالا قلبيا بحضرة صاحب الذكرى العطرة  صلى الله عليه وسلموتولدت علومه اللدنية في قلوبنا وهدانا الله بسابقة حسناه إلى الصراط المستقيم ونفع بنا - وحبيب قلوبنا صلى الله عليه وسلم  يقسم ويقول " فوالله لَأن  يهدي بك رجل واحد خير لك من حمر النعم " ( البخاري : 2724 ). وأدعوكم أيها الأحباب إلى دعوة أزواجكم وأبنائكم وأهليكم وأحبابكم وذويكم وزملائكم في العمل إلى تقوى الله وطاعته، وحسن اتباع الهادي صلى الله عليه وسلم. إجعلوا من بيوتكم بيوتا نورانية قرآنية محمدية، وعاشروا الناس بالمعروف ولا تعاملوا الناس بالسيئة لأن السيئة في مقابل السيئة سيئة، بل عاملوهم بالأحسن لقوله تعالى {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  $  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(فصلت : 34 & 35) ، وإذا راودك الشيطان فقل أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، استعذ بالغالب على الغائب ليكرمك الله ويرفع قدرك ويعزك .. أسأل الله تعالى أن يجعل من هذه الذكرى العطرة المباركة - ذكرى مولد رسول الله وحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم  نورا يجمعنا على حضرته، وأن يكرم ولاة أمورنا وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يؤلف بين قلوبهم ويحببهم في بعضهم، وأن يرفع البأساء من بينهم، وأن يجعلهم على قلب رجل واحد قرآني محمدي، وأن يجمعهم على كلمة سواء، وأن يجعلنا جميعا دعاة وهداة على صراطه المستقيم .. وصلى الله وبارك وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ربيع الأول 1402هـ بمسجد بدر الإسماعيلية
 
Arabic English French Italian Portuguese Spanish

صورة الامام ابو العزائم