خطبة ودرس فى مولد الامام المجدد السيد محمد ماضي ابو العزايم

مقدمة .. وبعد :

فيا إخواني في الله ويا أحبابي في رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

ذكرى مولد الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم


بداية الإمام أبي العزائم في دنيا الناس إسراء .. وختم دورته في دنيا الناس إسراء .. أي أن حياته الشريفة امتدت من إسراء إلى إسراء - ولهذا قال رضي الله عنه :

بأرواحكم فاصغوا إلى الأنباء

ألا أيها الأعضاء يا رمز هيكلي

وهذا مقام الختم في الهاء والراء

أنا صورة الختم الذي لاح بينكم

ولا مثل للختم العلي بإسرائي

أفيقوا فليس الختم إلا مثاله

وأنتم تعلمون أنه رضي الله عنه ولد في بيت من بيوت الله تعالى، وفي ليلة الإسراء المباركة، وانتقل بعد حياته الحافلة بالأسرار والأنوار إلى جوار ربه في الإسراء أيضا. وقد أشار رضي الله عنه في آخر أيام حياته إلى هذه الحقيقة عندما سمع أبناءه يتغنون حول سرير مرضه، فأملى قائلا :

فرفقا بحال سقيم فالسقم أضناني

بحالكمو جددتمو حالي القديم وأشجاني

وحالي علي فوق جسمي وأركاني

فإني لا أقوى على الحال إخوتي

ومن يحملن حالي؟ وحالي روحاني؟

تحملت حالكمو مع السقم والضنا

بروح من الأذكار في القرآن

أريحوا فتىً في ثورة السقم والضنا

سرى فدنا للواحد الديان

سلام عليكم من حبيب مقربٍ

ولَإن احتفلنا في ليلة معينه من ليالي العام المبارك بذكرى مولد إمامنا رضوان الله عليه .. فإننا بما أكرمنا الله تعالى به - وبسر إقامته لآل العزائم - نحتفل به رضي الله عنه بعدد أنفاسنا في سيرنا وسلوكنا إلى ربنا لأنه الإمام والقدوة والأسوة .. والإمام لا يغيب عن المأمومين، والقائد لا يغيب عن الجند وهو يتقدم الركب الميمون النوراني على الصراط المستقيم على منهاج الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى ألبسه حلل الوراثة الأكملية فأخبر عن البدء والختام والحقيقة.

لقد أكرمنا الله تعالى في هذا العصر الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن، والذي جعل الله فيه المؤمن الصادق في أعلى المقامات عنده وفي أسمى الدرجات لديه، وهو العصر الذي اشتاق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأحباب الصادقين المخلصين فيه، وأهل المحبة الصادقة هم أتباع الوارث المحمدي الأكمل - ولا أقول الكامل - الذي قال :

هو الرفرف الأعلى .. أذاك جنون ؟

على الطور لم أسأل ولكن طورنا

ووارثها ماضي هو المأمون

وراثة محبوب وحلة مصطفى

وقد أثبت الإمام رضي الله عنه وهو الصادق في مواجيده أنه يتلقى مواجيده من الحضرة المحمدية .. ولهذا قال :
عهد وثيق لمولى

لولا ولولا ولولا

وبحت بالسر قولا

لكشفت عني عذارى

لعين قلبي تجلى

لكن ووجه جميل

لمن بسري تحلى

أغيب عني وأملي

إلا إذا الفرد أملى

لست المغنى بقولي

حتى به صرت أولى

باع النفوس ومالا

وقال :

وحسبَي أني أنت في كل حالتي

نعم لا أبالي حيث كنتَ وسيلتي

لقد اشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يا آل العزائم . فقد ورد في الأثر قوله صلى الله عليه وسلم " واشوقاه لإخواني " ( ثلاثا ) فقال عمر رضي الله عنه أنحن إخوانك يا رسول الله ؟ فقال " أنتم أصحابي ، إخواني الذين لما يأتوا بعد ، من بلدان شتى وألوان شتى ولغات شتى ، تجمعهم كلمة التوحيد ، أجر الواحد منهم بأجر سبعين صديقا " ، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه : منا أم منهم يا رسول الله ؟ قال " بل منكم أنتم يا عمر ، أنتم تجدون على الحق نصيرا وهم لا يجدون على الحق نصيرا ".

إن الإمام أبي العزائم رضي الله عنه أعطانا المثل الأعلى للقدوة الحسنة، فهو الحكيم الذي لم يغفل عن ربه وعن نبيه في نفس من أنفاس حياته، بل لقد علمنا كيف يكون الذكر الذي يصل القلب بحضرة المذكور آناء الليل وأطراف النهار، علمنا رضوان الله عليه أن الذكر لا يكون ذكرا لله إلا إذا تخلى الذاكر عما سوى الله وعمن سواه، وإذا نسي الذاكر الأغيار والسوى وأقبل على حضرة المذكور بقلب سليم صح ذكره. ولهذا قال شارحا المقام عن قوله تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (البقرة : 152) :

هما مقام شهودي دار رضواني

الذكر ذكران:ذكر القلب ولساني

وباسم الذي أهواه ذكر لساني

فذكر فؤادي رؤية الوجه ظاهرا

شراب الصفا من حضرة القرآن

وعند شهود الوجه بالقلب يحلو لي

ولكنه ذكر الفتى الروحاني

فأذكره لا عن حجاب وغفلة

ترتل هذا الإسم حال عيان

فروحي تشاهده وكل جوارحي

ولكن هيامي للحبيب دعاني

ولم يك ذكرى عن حجاب وغفلة

وأسمعتني ذكري بنغمات رحمن

ذكرتك يا من قد رأتك بصيرتي

يردد ذكري واحد صمداني

فصرت أنا المذكور في حضرة الخفا

به يرفع المذكور للديان

وهذا هو الذكر الحقيقي يا أخي

جمال الذي قد قال ثم لساني

لساني يقول الله والقلب شاهد

بحضرة مذكور بقول لساني

لساني يقول الله والقلب حاضر

بأنواره من ظاهري وجناني

لساني يقول الله والوجه مشرق

وقال رضي الله عنه :

قل بقلب في الذكر يا الله

إذكر الله إن نسيت سواه


قد تجلى للعالمين علاه

لا تعظم في القلب غير إله


غافل القلب ذكره آلاه

ذكر أهل الصفا خشوع خضوع


أو جنانا والله جل علاه

يعبد الله كي ينال عطاء

أفردنه بالقصد فهو الله

لا تطع غافلا عن الله أسرع

قد صفاهم له فنالوا رضاه

ذلك الحق يعرف الحق قوم

لم ينالوا في دار دنيا هداه

وسواهم في غفلة في حضيض

فهِّمَنـَّا القرآن هب معناه

واشرحن صدورنا ويسر أمورا

من أتى بالضيا يليح هداه

وصلاة على الحبيب المرجى


الإمام أبو العزائم شرفه الله بشرف النسبتين جسما وروحا .. فهو فرع الدوحة النبوية المباركة، هو الحسني الحسيني من جهة الوالدين، وهو الوارث الأكمل الذي ظهر بدرا كاملا في سماء القرن الرابع عشر من هجرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم . قد أشار إلى مقام البدر في اكتماله عندما زار في شبابه المبكر وليا من أولياء الله الصالحين بمحافظة المنيا في بلدة آبا الوقف وهو السيد إبراهيم الشلقامي رضي الله عنه. قام الإمام أبو العزائم - ومعه أحبابه - بزيارة لذلك الولي الذي تولاه الله وأنعم عليه في حياته وفي البرزخ، ولكنه فوجئ بخدم المسجد يغلقون باب الضريح .. فقد خافوا على دنياهم من أبي العزائم - نسأل الله الحفظ والسلامة، لهذا لما رأوا مقدمه المبارك خافوا منه على النذور التي تتوالى عليهم لهذا أغلقوا باب الضريح بقفل كبير حتى لا يدخله أبو العزائم رضوان الله عليه. وما كان من الإمام إلا أن تقدم إلى أن وصل أمام باب الضريح ففُتِحَ الباب على مصراعيه، ودخل رضي الله عنه محفوظا بحفظ الحفيظ تبارك وتعالى، وأخبر في القصيدة التي أملاها أن الشيخ الولي إبراهيم الشلقامي وهو في برزخه عندما رأى أبا العزائم هرول لمقابلته، ولما رأى الخدم قد أغلقوا الباب دونه فتح هو الباب بنفسه ليحظى بشرف مقابلة ومشاهدة الإمام أبي العزائم .. لهذا يشير الإمام أبو العزائم لهذه الحادثة بقوله - ولاحظوا إشارات البدر ودواعيه :

للواء سنة أحمد ومبشرا

لحماك بحر النور وافى ناشرا


تدنو إليه مهللا ومكبرا

فلقيته أيها البطل الهمام بهمة


وبحر النور هو الرجل الذي وصل إلى حمى الشلقامي ويخبر الإمام رضي الله عنهعن الشلقامي فيكمل :
يدعو لروض بالحقائق أزهرا

أقبلت لاستقبال وفد مقبل

أعلى مقامك صادقا ومبشرا

ورفعت إبراهيم رايتنا على

والصدق للداعي وها هو أخبرا

ورأيت منك أيا ابن عمران الوفا

درست وها هو بدرها قد نورا

أحييت شلقامي الطريقة بعد أن

عاينتُ كل الأولياء بلا مرا

ورأيتُ رتبتكَ العلية بعد أن



إذاً هو العبد الذاتي الذي ختم الله به دورة الوراثة المحمدية ، ويخبر عن مقام ختميته ليعترف بما أقامه الحق فيه بقدر الطاقة وبقدر الإستطاعة، لهذا يقول لكم :

لا بدرس يتلى ولا شراح

نلتمو العلم نلتم الحال فضلا

ورأيتم نورا بغير جناح

وشهدتهم بالقلب وجها عليا

هو نفس بشرى لأهل السماح

ألف عام بغير باب التهامي
ججج
أي أن النفس في مواجهة أبي العزائم بألف عام وأنت بعيد عنه وعن مواجهته. وأنتم تسمعون منه رضي الله عنه الكثير والكثير عن طريق المواجيد، فمواجيده للعامة منها نصيب، وللخاصة منها نصيب، وللخواص - على اختلاف درجاتهم ومنازلهم ومقاماتهم - منها نصيب، وما من صاحب مقام في الطريق إلى الله إلا لـه من مواجيد الإمام أبي العزائم نصيب، بل إن من مواجيده ما هو أفق الواصلين الكمل، ولهذا قال :

لا يفقهن واصل معنى إشاراتي

لا يدركن عارف أسرار مرتبتي

هو واحد أحد والوجه حيطاتي

أزليتي أبد أبديتي أزل

وقال رضي الله عنه:

ولكن لفرد واجد روحاني

ترنمت لا لهياكل ومباني

وعجبا أرى في هيكل الإنسان

أغني وأصغى لي وروحي تألهت

فلا يصغ لي إلا فتى روحاني

أغني لروحي معربا عن حقيقتي

وأريد أن أقول لكم، بل خذوها من أبي العزائم، صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندنا في المواجيد قصيدة إذا سمع بعض أبياتها عاقل معقول بقيود العقل يقول أن هذا الكلام كفر !! - فما معنى هذا الكلام ؟ وأبو العزائم يتغنى به في خلوة الخلوة ولم يقله لأناس أغراب عن هذا التخصيص، ولكن إذا ما أراد ربنا أن يفهم غريبا جعله عبدا منيبا. الإنسان خلق الله لأجله الأكوان، ولم يكتف ربنا بذلك بل وسخرها لـه، والمسخر لك مملوك لك لأن الذي سخره لك هو الله خالقه ومبدعه وقال لـه كن مسخرا لبني الإنسان - وأخبر الله عن هذا التسخير بقوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} (الجاثـية : من الآية 13). ولأجل أن يربط الإمام رضي الله عنه الكلام ببعضه - فله قصيدة طويلة مطلعها :

أنا اللوح والقلم المعلى على نفسي

أنا سدرة المنتهى والعرش والكرسي


وعن هذا التسخير يعبر الإمام رضي الله عنهقائلا :
بشمس التجلي بعد سلبي لصورتي

بدى لي بهذا الروض أني أنا الضيا


وأني زيت قد أضاء بسدرتي

وأني مشكاة وأني زجاجة


وأني نيران الجحيم الحمية

وأني جنات تحلت بحسنها


وأني أراض قد تحلت بحضرتي

وأني سماوات أضاءت نجومها


واسمعوا ما سيقول العبد عن نفسه :
شموس مجاليه من الأحدية

وأني لا أني إذا الغيب أشرقت

وبعدي اختياري بل وقربي شقوتي

فمحوي وجودي والفناء هو البقا

ولا جنة تبدو لسدرتي

لديها فلا روض ولا طيب مسكه

ولا الرفرف الأعلى بحال النزاهة

ولا العرش محلوظ لمن هو في الخفا

بأنوار غيب للبطون الهوية

وفي حضرة الغيب المصون تلألأت

بأكمل أوصاف الكمال العلية

وهو هو في كنز النزاهة والخفا

عين الأين بل عن حيطة عقلية

وأسماؤه وصفاته قد تنزهت

به وله في حضرة الواحدية

ولا نور إلا نوره ظاهرا يرى

متابعة المختار في كل لحظة

ومعراجه السامي هو مفتاح قدسه

فبادر فنور الشرع حصن الهداية

فكن تابعا للمصطفى تنل الصفا

يكن لك بردا بل سلاما برأفة

على الجمر قف إن أوقفتك تواضعا

تفز برياض القدس من محض رحمة

ومت إن رأيت الموت في نص حكمها

إذا ما قضت ترفع لدار كرامة

وضع فوق ترب الأرض خدك راغبا


وفي هذا لابد أن نعرف أنه عند العروج من عالم أدنى إلى أعلى وعالين، فلن تستطع أن تصل إلى عالم مغاير لعالمك إلا بعد أن يأخذ العالم الذي ستفارقه منك حقه، فالأرض لها حق فيك، بترابها وبنارها وبهوائها وبصلصالها. لترقى إلى أعلى يجب تسديد ما عليك من ديون، فالأرض لها دين عليك، ودينها يجذبك إليها. وكذلك العروج إلى السماء الثانية لن يتم إلا بعد أن تأخذ السماء الأولى ديونها أو حقها منك ومن تكوينك، إذ ليس عندك قوة الرقي للسماء الثانية، فأنت العبد الجامع للملك والملكوت، والعزة والجبروت، واللاهوت وما وراء هذه العوالم من عوالم. فإذا تخليت ارتقيت .. ولا تستطيع الروح أن تتعدى السدرة إلا بعد أن تأخذ السدرة حقها منك، وبعد السدرة عوالم تأخذ أيضا حقها منك لأنك – كما سبق وقلت - الجامع للملك والملكوت. وعندما يأخذ كل عالم حقه مما فيك منه تصبح صورة تجردت من الأغيار، تجردت من السوى، وما بقي فيك هو صورة {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(الحجر : من الآية 29 )، فترى الحق بالحق لأنه لم يعد فيك خلق إذ {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} ليست خلقا، صلوا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذاً يرى الحق الحق - وعندئذ يرى العبد بما فيه من حق وحقيقة، كل الأكوان من أولها إلى آخرها أصبحت ملكه، إذ لا يكون العبد عبدا للذات وفيه رق للكائنات، أي لا بد وأن يتخلى عن الكائنات، لا يكون عبد نعمة أو عبد رأفة أو عبد ملك أو عبد ملكوت أو عبد عزة أو عبد جبروت أو عبد لاهوت أو عبد عوالم أو عبد أغيار .. إنما يكون عبد الذات ، وهنا يتغني الإمام فيقول :

بعد محوي لمحلي

التحلي بالتخلي

وشهودي بالتجلي

وانفصالي عن فعالي

إنه نور يحلي

وشهودي لوجودي

وانمحا وهمي وعقلي

وارتحالي عن عقالي

عن سوى مجدي وأصلي

واتصالي بانفصالي

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يكرمنا في سيرنا وسلوكنا إلى حضرة ربنا تبارك وتعالى، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طاهر محمد السيد مخاريطة

ليلة 28 رجب 1402 هـ

Arabic English French Italian Portuguese Spanish

صورة الامام ابو العزائم