بعض معاني المختار الحبيب صلى الله عليه وسلم

مقدمة – أما بعد :
فيا إخواني في الله ويا أحبابي في رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

بعض معاني الحبيب المختار صلى الله عليه وسلم .

 

أنتهز فرصة هذا الجمع الطيب المبارك لأحدثكم حديثا قلبيا يكشف الستار عن بعض معاني الحبيب المختار صلى الله عليه وسلم لأننا الآن في العشر الأوائل من شهر مولده المبارك الشريف. وفي شهر ربيع تفضل القلوب الموصولة بحضرة المحبوب صلى الله عليه وسلم إلى أن تأتي ليلة الوضع، فيتراءى الجمال المحمدي لكل روح مؤمنة. وعلى قدر معرفتنا ببعض معاني قلوبنا تكن محبتنا لحضرته، ونسأل الله أن يعمر قلوبنا بأنوار هذه المحبة العالية الغالية لنحيا بها في دنيانا، ولنفارق دنيانا ونحن من أهلها، ولنجاور بها حضرته في العالمين البرزخي والأخروي، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.
أيها الأحباب .. إن الله تعالى أوجد الخير، وللخير مقابل هو الشر، وجعل للخير رسلا وجعل للشر رسلا. ورسل الخير يسيرون بالأحباب على المنهاج الإلهي حتى يوردوهم الجنات، ورسل الشر يسيرون بأتباعهم في طريق الظلمات حتى يوردوهم موارد الهلاك والبعد .. إذاً للهداية أئمة {أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة : من الآية 24)، وللضلالة أئمة {أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ} (القصص : من الآية 41) . ومن حكمة الله أنه أبقى في مرحلة الدنيا ممثلا للشر . وقائدا لأهله وهو الشيطان لأنه طلب النظرة إلى يوم القيامة ليزداد شقاء وبعدا فأعطاه الله إياها - يوم أن قال لربه {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ  إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} (الحجر : 36 – 38). ورسول الشر هذا لـه قرناؤه وأعوانه وأولياؤه . ورسل الخير بدءا هم الأنبياء والرسل في أممهم وأقوامهم إلى أن ختمت الدورة النورانية الإنبائية بخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وأخبرنا الله عن هذا المقام السامي بقوله {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب : 40)، ولابد من استمرار وجود رسل الخير في الأمة في مقابلة رسل الشر، لابد من وجود أئمة الهداية في مقابلة أئمة الضلالة، ولهذا لما انتقل نبينا إلى الرفيق الأعلى كان قد بين أن علماء الأمة ورثهم الله مقامات الأنبياء السابقين فقال صلى الله عليه وسلم " العلماء ورثة الأنبياء " ( أبو داود : 3157 ) وفي الأثر " علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل " ، وهؤلاء الورثة بدرجاتهم ومقاماتهم يؤدون أمانة التبليغ في الأمة بقدر ما يوفقهم الموفق عز وجل، والأمر كذلك في نظام ربنا وهو القائل {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة  لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (يونس : 62 - 64) وهو القائل { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة : 257) - والقرآن واضح صريح بين لنا أن لله حزب وأن للشيطان حزب ، وحزب الله على طريق الهداية والفلاح والقرب من الله ، وحزب الشيطان على طريق البعد عن رحمة الله عز وجل. ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنتقل بتقدير ربه إلى العالم البرزخي، إلى الرفيق الأعلى بعد أن خيره فاختار ، فعند مرضه طلب أن يصبوا عليه الماء ليستطيع الخروج ثم خرج واعتلى المنبر - ومما قاله في خطبته لأصحابه " إن الله قد خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله " ( البخاري : 446 ) ، إختار نبينا ما عند ربه . وكان قد طلب من مولاه أن يحفظ القرآن من أيدي المحرفين والمبدلين وأن يقيم للقرآن حفظة وحراسا يحرسونه ويدافعون عنه ويبينون ما في آياته من غوامض وأسرار وأنوار وعلوم وحكم ومعارف ولطائف وقد استجاب لـه ربه . وقال لـه قبل أن ينتقل من دنيانا إلى العالم البرزخي ليطمئن قلبه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت : 41 & 42) وقال لـه أيضا ليطمئن قلبه من جهة ورثته {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} (الرعد : من الآية 7) وفي قوله {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} (فاطر : من الآية 32)، ولكن مع انتقال جسمه الشريف فإنه في الأمة بروحه وبنوره وبسره في الأمة بإلهاماته الروحية، ولا ينكر الشمس في صحو النهار إلا أعمى، بل إن الأعمى قد يحس بحرارتها فينبئ عن وجودها بحكم إحساسه، أما من ضرب الله عليه وختم على جوارحه فإنه هو الذي ينكر هذه الحقيقة مع شدة ظهورها، يقول أهل البعد - ونسأل الله أن يحفظ الأمة من مكرهم وشرورهم - أن محمدا - وأستعير هذا القول منهم مع علمي بأنه لفظ ينبئ عن سوء الأدب - وسوء الأدب مع نبينا كفر لأن رفع الصوت ولو بالخير في حضرته يحبط العمل بنص قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} (الحجرات : 2) - أن محمدا رسول كبقية الرسل وكما ماتوا فقد مات وكما أدى كل واحد منهم رسالته فقد أدى هو رسالته وانتهى أمره، وبعضهم يقول إعمل كما كان يعمل رسول الله لتصل إلى ما قد وصل إليه، ويقولون هذا القول بالنسبة لأصحابه وبالنسبة لأولياء الله الصالحين وبالنسبة للعلماء العاملين، وبالنسبة للورعين الخاشيعين المخبتين. هم في حقيقة الأمر أعداء لدعوة الحق وإن لبسوا مسوح أهل التدين (كم من متزين بزي أهل السنة وهو أضر على المسلمين من الجِنـــََّهْ ، وكم من متزين بزي المساكين وهو ألعن من الشياطين ، وليس التنسك - أي التبعد - بلبس الحلل الخلقة إنما الناسك من طهر خلقه، ونظرة بيقين خير من عبادة سنين، ونظر بفكر واعتبار خير من بكاء سنة من خوف النار ) هكذا قال لنا إمامنا أبو العزائم - وبعضهم يدعي أنه يحافظ على الدين ويتظاهر بالغيرة على السنة فيقول لمن ينادي في الآذان بسيادة رسول الله إسكت فقد خالفت ووقعت في الجريمة الشنعاء وغيرت وبدلت، لا تقل سيدنا. من هذا الذي لا يسيد ؟؟ الذي لا يسيد هو الشيطان، وهو تابع الشيطان . وقددعا سيدنا زكريا في محراب مريم وبشرته الملائكة بيحيى وأنه سيد وحصور ونبي {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران : 39) . المسلم بإسلامه سيد وبإيمانه سيد وبإقامة الله لـه سيد . هذا هو المسلم العادي الذي طلب فيه النبي صلى الله عليه وسلم من سيدنا علي  ألا يحقره لأن صغير المسلمين عند الله عظيم فهو ليس بسيد فقط بل وعظيم ، والعظمة صفة من صفات الله عز وجل. من الذي عظم هذا المسلم ؟ الذي عظمه هو ربه لأنه لم يعظم نفسه ولم ينسب لا العظمة ولا الكبرياء لنفسه، فهو بإسلامه لربه متواضع في صور المؤمنين من عباده، وهو بإسلامه يعلم أن النبي قال " من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى يجعله في عليين .. ومن تكبر على الله درجة وضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل السافلين " ( أحمد : 11299 ) ، ولهذا فإنه يمشى على أرض العبادة هونا وإذا خوطب من أهل الجهالة بالجهالة قال لهم سلاما. فإذا كان المسلم الصغير عظيم عند الله فكيف يكون الشأن مع من قال لـه ربه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء : 107) ؟ كيف يكون الشأن مع من قال لـه ربه {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم : 4) ؟ كيف يكون الشأن مع من أخبرنا عنه بقوله { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة : 128) ؟ إن الذي ينهى عن سيادة رسول الله يأبى أن ينادى بيا عيسى أو يا موسى أو يا محمد أو يا عبد الله أو يا فلان بالإسم المجرد، يأبى ويغضب، ويطالبك بأن تناديه بصاحب الفضيلة وبالأستاذ وبالشيخ وبالدكتور، ولا يرضى أن يتحرك اللسان فينا بأشهد أن سيدنا محمد رسول الله - مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر . وبيدي لواء الحمد ولا فخر . وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ولا فخر , وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر .... إلى آخر الحديث " ( الترمذي : 3073 ) ؟ من أنت أيها المنكر ؟؟
• هل قال لك ربك { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } ؟ كما قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
• هل أرسلك ربك إلى الناس كافة كما أرسله ؟
• هل بايع لك الرسل كما بايعهم لـه ؟
• هل ختم بك النبوة والرسالة كما ختمها به صلى الله عليه وسلم ؟
• هل جعلك نورا وبرهانا وكتابا مبينا كما جعله ؟
• هل أنزل على قلبك ملك الوحي بقرآنه ؟
من أنت أيها المنكر ؟ أيها المغرور بقشور علم تدفع صاحبها إلى قاع جهنم والعياذ بالله . رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الأحباب فوق تعظيم المعظمين لـه وإن ملأوا الدنيا له تعظيما وفوق وصف الواصفين - واسمعوا لأدب الإمام  وهو يقول بلسان المحبة الصادق :

فمدحك صاغه ربي صريحا
على قدري أصوغ لك المديحا


على قدري لا على قدرك ، فأنا لا أعلم كنه قدرك ولا أدرك سر مرتبة إقامة الله لك، فأنت مفرد في المقام مفرد في المنزلة مفرد في المرتبة، أوصلك ربك إلى مقام لم يصل إليه ملك مقرب ولا نبي مرسل - يقول :
ومدحك صاغه ربي صريحا
على قدري أصوغ لك المديحا

أوفي قدرك السامي شروحا ؟
ومن أنا يا إمام الرسل حتى

فداوي بالوصال فتى جريحا
ولكني أحبك ملء قلبي

يروم القرب منك ليستريحا
وأسعد بالوصال فتى معنى

وأنت رأيته كشفا صحيحا
فموسى رد بعد سؤال ربي

بقدرك سيدي أضحى مبيحا
{ ألم نشرح } و { رب اشرح } بيان


فقد طلب موسى عليه السلام - وهو الكليم - من ربه شرح صدره فقال {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} (طـه : 25)، وقد قال الله لحبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم قبل أن يطلب منه وقبل أن يسأله {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ؟ (الشرح : 1)، وهذا هو الفرق بين مقام المحب ومقام المحبوب. رب العالمين يقول لموسى عليه السلام وهو المحب {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى  قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } (طـه : 83 - 84) ويقول للمحبوب صلى الله عليه وسلم {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (الضحى : 5). من الذي يستطيع أيها الأخوة أن يصف لنا حقيقة رسول الله في أطوارها كلها ؟؟ لقد تولته عناية ربه بدءا وختما أزلا وأبدا لدرجة أنه أخبرنا عن حقيقة غيبية فقال ليقرب الأمر إلى العقول عندما سأله أحد أصحابه : متى كنت نبيا ؟ فقال " بين الروح والطين من آدم " (إبن سعد 1 / 148 وذكره السيوطي في جمع الجوامع 3415 ) وفي حديث أبي هريرة قالوا متى وجبت لك النبوة ؟ فقال " بين خلق آدم ونفخ الروح " ( الحاكم 2 / 665 رقم 4210 والخطيب 3 / 70 ) وأوضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك ...." ( أحمد : 16537 ) أي قبل الطين أي قبل أن يوجد آدم وقبل أن تنفخ فيه الروح مكتوبا في أم الكتاب . رسول الله جمل بجمال ختم النبوة قبل أن يبرز الله آدم عليه السلام في ثوبه البشري الكامل في عالم الإمكان نبي وخاتم .. لم يقل كنت رسولا ولكنه قال كنت نبيا - وهو الصادق الوعد الأمين، الصادق في قوله، لأن الرسول لابد أن يرسل إلى قوم أو فئة أو قبيلة ولم يأن وقت إرساله صلى الله عليه وسلم ، لأن النبي لا يرسل إلا إذا أخذ دورته وظهر على مسرح الوجود المادي وأبرزته قدرة ربه من رحم أمه إلى عالمنا هذا ليبلغ أشده وليبلغ رشده، وليصل إلى سن الأربعين مع ولاية الله وتوفيقه وعنايته ورحمته التي تحيط به من كل جانب. مع كل هذا فإن الله سيبقيه في الدنيا إلى سن الأربعين لينزل عليه الملك وهو في غار التعبد والتحنث والتقرب ليقول لـه ( اقرأ ) فيقول " ما أنا بقارئ " إلى أن يقول لـه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق : 1- 5) ولهذا قال لهم {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (يونس : 16) يعني قعدت فيكم أربعين سنة لم أقل لكم في أي يوم من الأيام أن الله اختارني عليكم نبيا، لم أدعي أن وحيا نزل على قلبي ، لبثت فيكم عمرا طويلا إلى أن بلغت سن الأربعين، وما أنا إلا مبلغ، وما أنا إلا منذر، وما علي إلا أن أقول ما يقال لي لقول الله {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة : من الآية 67) سيادة إيه ؟؟ ونحن نقول للناس في أي مكان (يا سيد) ونقول لكل بني آدم : يا سيد ، ونكتب على الخطابات السيد فلان ، وقد يكون المرسل إليه من أهل الفجور والفسوق والبعد عن الله ورسوله .. وماذا تساوي كلمة سيد هذه ؟ ولكن إذا أردنا السيادة الحقيقة بلا شك بدءا وختما لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فكيف لا يكون سيدا للمؤمنين العاديين ؟ هذا إمام النبيين وسيد المرسلين وقد أتم الله النعمة على أنبيائه ورسله ليلة معراجه في الليلة التي تقدم فيها رسول الله عليهم جميعا بعد أن صافحهم وواجههم وأمهم وصلى بهم - وبصلاته بهم كمل إيمانهم وتمت نعمة الله عليهم تحقيقا لقوله لهم في عالم الروح بدءا {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ  فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران : 81 & 82). الله هو الذي ألبس الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم حلل السيادة، وهو الذي ألبسه حلل الكمال العبدي، هو الذي قال لـه {قل} ليخبر بحقائق غيبية . إبحثوا في القرآن عن كلمة ( قل ) ليتراءى لكم من خلال هذا الذي ذكرته وستجدون وراءها مضامين كثيرة جدا من العلوم الغيبية والوهبية في القرآن {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} (الكهف : من الآية 110) لأن الرسول لابد وأن يكون من جنس المرسل إليهم فلا ينفع لملك أن يرسل لبشر، فالنبي لـه تكوين خاص، فهو من المادة ولا شك ولكنه في قمة قمم الصفاء المادي صلى الله عليه وسلم كما أنه من الجهة الباطنة في قمة قمم الصفاء الروحي، هيكله صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه . وهو القائل ليعرف صيام وصاله الذي لا يقدر عليه غيره " إني لست كهيئتكم ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " ( مالك : 591 ) أي لا تتشبهوا بي في خصوصياتي . ويخبرنا عن خصوصية أخرى من خصوصياته أنه إذا نامت عين رأسه فإن عين قلبه لا تنام آناء الليل وأطراف النهار لأن قلبه موصول دائما وأبدا بربه عز وجل . وهو كما قال عن نفسه عندما أخبروه أنه قام من نومه ليصلي ولم يتوضأ " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ( أبو داود 174 ) . ولما سألوه عن سر تصحيحه لصلاة بعض الصحابة أثناء إمامته لهم في الصلاة وبعد أن تكرر منه صلى الله عليه وسلم ذلك قال " إنكم ترون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون . والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي " ( البخاري : 9420 ) الله أودع فيه خصوصيات منحه إياها وأعطاها لـه . رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سيدنا ومولانا محمد ، روحه ها هنا، وفي هذا المجلس، ومن أنكر هذه الحقيقة فهو عمي وبعيد وغوي - واقرءوا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً  وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً  وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً  وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} (الأحزاب : 45 - 48) . وكونوا على يقين أنه صلى الله عليه وسلم يرى أمته من بداية الأمر إلى نهايته لأنه فينا بالإشراف الروحي {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} (آل عمران : من الآية 101) {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} (الحجرات : من الآية 7)، وإذا لم يستطع إنسان أن يهضم هذه الحقيقة فإننا نخفف له الجرعة فأقول وبالله التوفيق : إن القرآن بيننا - فقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت " كان خلقه القرآن .. أما تقرأ القرآن قول الله عز وجل {وإنك لعلى خلق عظيم} ؟ " ( أحمد : 23460 ) . هذا القرآن لا ينكر مسلم حرف من حروف آياته، فالمنكر بذلك جاحد لاحد بعيد، من الذي تلاه عن الله ؟ من الذي بلغه للبشرية عن الله ؟ هل سمع أحد من الصحابة آية من آياته التي أتى بها جبريل على قلبه صلى الله عليه وسلم ؟ هل سمع إنسان - وإن كان صديقا أو فاروقا أو حبيبا أو كان إماما وصيا - القرآن حين نزل على قلبه صلى الله عليه وسلم من أول { إقرأ } إلى آخره ؟ أبدا أبدا ، فالقرآن سر من عالم السر، وغيب ذاتي من عالم الغيب الذاتي كان واسطة العقد فيه جبريل الأمين. وقد استظهره رسول الله من ربه قبل وجود جبريل. وقد أخبرنا عن هذا في القرآن في قوله لـه {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل : 6) وقال لـه {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة : 17- 19) وقال لـه {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه : من الآية 114). فهذا القرآن هو قراءة رسول الله ، وهو تلاوة رسول الله ، وهو ترتيل رسول الله ، ومن جلس مع القرآن فقد جلس مع حضرة رسول الله ، ومن قرأ القرآن فهو في حضرة الله .
يقول قائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول خلق الله .. فيقال لـه كفرت ، إن أول مخلوق من البشر هو آدم، فكيف تقول يا أول خلق الله ؟ أليس بشرا ؟ نعم هو بشر ، آدم أبوه في البشرية، وهو أبو آدم في الروحية، هو أول مخلوق خلقه الله من جهة الحقيقة الروحانية. ومن المعلوم علم اليقين أن الحقائق الروحانية خلقت قبل خلق الأبدان بدليل قول الله تعالى لنا {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} (الأعراف : من الآية 11) ، فكان الخلق الروحي والتصوير الروحي للكل، ومن جملة الحقائق الروحانية التي خلقت بدءا هي حقيقة سيدنا آدم، وخصائصنا الروحانية جمعت وعوهدت ووثقت وشهدت الجمال الرباني وسمعت الكلام المقدس، أخبرنا الله عن ذلك المشهد العالي في القرآن بقوله {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ  أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف : 172 - 173). حدث هذا لكل الحقائق الروحانية، فرسول الله والد لآدم من جهة الروح وآدم والد لـه من جهة الجسم. وهنا أسأل : ما هو أول شيء خلقه الله ؟ إذ لا بد للخلق من بداية وإلا كان قديما، والقديم هو الله وحده، إذاً لابد من مخلوق أول افتتح الله به الوجود. ومن استعراضنا لقرآن ربنا سنجد أن أكرم مخلوق في السماوات والأرض وفي ما وراء السماوات والأرض هو سيد النبيين وإمام المرسلين سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ، إذاً لا بد وأن يكون هذا السيد هو الأول في الخلق. وهل معنى الأول في الخلق أنه شارك الله في ألوهيته ؟ أو شارك الرب في ربوبيته ؟ نحن نقول أنه أول خلق لله ، مخلوق لله ، عبد الله ، وكماله في شرف العبودية، ورفعة شأنه في شرف العبودية، وسموه في الإقبال على حضرة رب البرية. لكنه أول الخلق بلا نزاع - وقد سأله جابر بن عبد الله عن أول خلق خلقه الله فقال صلى الله عليه وسلم " خلق نور نبيك يا جابر " فعن سلمان الفارسي  أن جابر بن عبد الله الأنصاري  قال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء .. قال " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر . خلقه وخلق فيه كل خير . وخلق بعده كل شيء " ( أحمد والحاكم وعبد الرازق ) . يشكك في هذا القول المشككون وهم تلاميذ إبليس ولأن الله لما قال للملائكة {اسْجُدُوا لِآدَمَ} (البقرة : من الآية 34) وكان إبليس من ضمن المأمورين بالسجود، فأول الأمر الصريح واستعمل عقله في مقابلة الأمر الصريح الواضح { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} ؟ (الإسراء : من الآية 61)، من الذي أمرك بالسجود ؟ إنه رب العالمين، إنه الله ، من الذي سيحاسبك على السجود إن كنت تظن أن في سجودك ما يباعد بينك وبين الإيمان، إنه الله الذي يحاسب، هو الذي أمرك بأن تسجد ، ولكن إبليس أظهر حسده حقده وقال إن كان هناك سجود لغير الله فأنا أولى بالسجود من آدم بدليل أنني من النار وهو من الطين، وأن النار أرفع وأعز من الطين {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (الأعراف : من الآية 12). إذاً المسألة لم تكن غيرة على الحق، ولكنها كانت حسدا وحقدا.
وعندما يقول المؤذن سيدنا محمد، فهم من حسدهم وحقدهم لا يريدون سماع السيادة لرسول الله ، وليس هذا بجهل ولكنه عين البعد، جعلوا النبي مثلهم وهم مثله، السيد البدوي مثلهم وهم مثله، والصحابة قوم اختارهم المحبوب صلى الله عليه وسلم واتخذ منهم شهداء، وأثبت سبحانه في قرآنه أنه {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (المائدة : من الآية 119)، أثبت ربنا هذا، وبشر الكثير منهم بشارة صريحة وواضحة بالجنة .. أبعد هذا يدعي واحد أني إذا فعلت فعله صلى الله عليه وسلم أصبح مثله ؟ إعمل تبقى زيه !! ومن أين لي أن آتي بالمحبة اللي كانت في قلبه ؟ هذا والكلام يطول بي ويطول، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صورة المحبة الكبرى :
في واحدية أوصاف بكم ظهرت
يا سيدي يا طراز القدس عن أحد

خلص حبيبي فؤادا ناره التهبت
الشوق والوجد يا مولاي قد حكما


هذا المحبوب صلى الله عليه وسلم يقول في حديثه " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من وماله وولده والناس أجمعين " ( البخاري 14) ، والذي لا يرضى أن يقول عن رسول الله ( سيدنا ) فليس في دائرة الحب الذي ذكره الحديث. إن هؤلاء الذين لا يرضون لـه بلفظ ( سيدنا ) ينظرون إليه نظرة أبي جهل وأميه بن خلف وعتبة وعقبة - أثبت الله لهم النظر ونفى عنهم البصر وقال لحبيبـه ومصطفاه {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} (الأعراف : من الآية 198) ينظرون إليك لأنهم لا يرون فيك إلا محمدا بن عبد الله بن آمنة الفقير اليتيم راعي الغنم بدون رؤيا إطلاقا بقلب أو روح، لا يبصرون فيك أنوار الرسالة ولا يبصرون فيك أنوار النبوة .. إذ لو أبصروا لآمنوا وسلموا، إقرءوا يا أحباب الله ورسوله ما في القرآن {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء : من الآية 64)َ لكن لا يكتفي ربنا بهذا بل قال {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء : 65) .
نسأل الله من قلوبنا المنكسرة أن يملأ قلوبنا بحبه، وأن يتوفانا على حبه، وأن يكرمنا بجواره في الدارين، وأن لا يحرمنا من نظراته في الدارين، وأن يخرجنا من الدنيا ونحن في أكمل حلل الشوق إلى لقاء وجهه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحيه وسلم .
طاهر محمد السيد مخاريطه

Arabic English French Italian Portuguese Spanish

صورة الامام ابو العزائم