الروح الكلية والأرواح الكاملة والجزئية

مقدمة .. أما بعد :
فيا إخواني في الله ويا أحبابي في رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 

الروح الكلية والأرواح الكاملة والجزئية

جمعنا الجامع سبحانه في هذه الليلة المباركة وفي هذا البيت المبارك، لتتلاقى الأرواح ولتهدأ الأشباح، فالأرواح لها تلاق خاص، والحس يحتاج إلى مشاهدة الحس الآخر. ومن فضل الله تعالى على الإخوان في الله أن جعل لكل منهم خاصية أكرمه بها، ومن هذه الخاصية يكرم كل فرد يقابله كما يكرم الأخ الآخر من خلال إخوانه، وبمعنى أوضح : أودع الله في كل فرد منكم سره، وهذا السر لـه مكانة إلى العالم الروحي في صورة الإخوان، فمن سرك يقتبسون، ومن سرهم تقتبس أنت، لك سر ولهم أسرار، فإذا حجزت نفسك عنهم خسرت لأنهم يمثلون الكثرة وأنت رمز للقلة، فإذا أعطيت فعلى قدر السر الذي أودع فيك تعطي، وعلى قدر ما أودع الله في قلوب الإخوان أي إخوانك تعطى من إخوانك، من هنا يحببنا أبو العزائم رضوان الله عليه في مجالس الأحباب ويقول : الإخوان أجسام متعددة سرت فيهم روح واحدة دلالة على أن سر الإخوان يسري في الكل. ولا يفارق الأخ الجماعة إلا وهو مجمل بأنوار إخوانه .. وأسرار إخوانه .. وحقائق إخوانه .. وأحوال إخوانه. إذاً .. الجلوس مع الإخوان غنيمة كبرى وحظوة عظمى، وهذا السر يقول فيه الإمام أبو العزائم : المأذنة منارة الإسلام والحضرة منارة الطريق،فإذا وجدت الحضرة في بلد علمنا أن الطريق فيها مستوفٍ أركانه وأن فيها إخوان وفيها حضرة تقام وفيها نفع وفيها انتفاع. وكما تتلاقى الأبدان تتلاقى الأرواح وتشاهد بعضها وإن كان العبد في ظاهره لا يشعر إلا بالصور الظاهرة لأن الحقائق الباطنة غيب مستور، ولكنك بنور العلم الذي تمنحه من أستاذك ومربيك كأنك ترى الحقائق الباطنة رأي عين بسر العلم اليقيني الذي أكرمت به. وعلم اليقين معناه أن يكون البيان كالعيان، لأن البيان إذا كان من مخبر صادق فبيانه كالرؤية الحقيقية - وبهذا قال الإمام على كرم الله وجهه ( لو كشف الحجاب ما زددت يقينا ) لما ؟ لأن المخبر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإخبار رسول الله كرؤية العين، فإذا أخبر الأصحاب عن غيب من الغيوب تراءى لهم هذا الغيب في مجلسه، ولهذا كانوا يقولون لرسول الله أنهم إذا جلسوا في مجلسه صلى الله عليه وسلم تراءوا ربهم لأنهم أكرموا بمقام الإحسان عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا، وآدابا وسرا وسلوكا. والإحسان كما عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لجبريل لكي نتعرف نحن على ديننا " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (البخاري : 48 ومسلم : 9) .
والميراث الروحاني لا يفنى ولا ينتقص منه شيء بالرغم من الأخذ منه على الدوام لأنه ينمو دائما وأبدا كلما أخذ منه .. بعكس الميراث المادي الذي ينتقص بالأخذ منه .. حتى سمعنا في الأمثال العادية : جبال الكحل تفنيها المراود، وخذ من التل يختل. والميراث الروحي كلما أخذت منه ازداد. والأرواح ثلاثة : روح كلي، وروح كامل، وروح جزئي. ولنا أن نقول روح كلية، وروح كاملة، وروح جزئية، لأن الروح تذكر وتؤنث .. يقال الروح وتقال الروح. فالروح الكلية واحدة في الوجود بأسره من بداية الخلق والتقدير والتدبر إلى ما لا نهاية وهي روح الخاتم صلى الله عليه وسلم . هو صلى الله عليه وسلم صاحب الروح الكلية التي خلقت منها الأرواح الكاملة والأرواح الجزئية، بل والتي خلق منها كل كائن في عالم العلو وفي عالم السفل لأنها السر الساري في هياكل الكائنات والموجودات. وإذا علمنا أن الروح الكلية هي سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ، فالأرواح الكاملة أيها الأحباب هي أرواح الأنبياء والرسل من قبل وأرواح الوراثة من بعد، لأن الأنبياء والرسل كانوا يمثلون النيابة عنه صلى الله عليه وسلم وهو في عالم غيبه، وكان كل منهم قد بشر أمته أو قومه أو عشيرته أو قريته التي أرسل إلى أهلها، كان يبشرهم بالخاتم صلى الله عليه وسلم ويصفه لهم ويأمرهم بالإيمان به فلا يكمل إيمان مؤمن من أول الأمر إلى نهايته إلا بالإيمان به صلى الله عليه وسلم . وكما نؤمن نحن أمه محمد صلى الله عليه وسلم بكل من يبعث وأرسل من قبل الله تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة : 285 ( فكذلك من سبقونا من الأقوام والأمم أمروا من الأنبياء والرسل بأن يؤمنوا بسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم . وأقرب الكتب إلينا هو توراة موسى عليه السلام وإنجيل عيسى عليه السلام، وعنهما وما فيهما يخبرنا الله تعالى بالحقائق الغيبية التي أوردها في هذين الكتابين - ولا أقول في تلكما، يقول { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ .. } يجدونه صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم {.. فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف : من الآية 157)، وما أخبرنا الله تعالى به وبين لنا في إخباره أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم موجود ومنعوت في كل الكتب التي سلفت .. بين لنا أيضا أنه وصف أهل معيته صلوات الله وسلامه عليه في توراة موسى وفي إنجيل عيسى. وما دام الحق وصف وبين هذا الوصف لنا في توراة موسى وفي إنجيل عيسى .. فمعنى هذا أن أهل المعية وصفوا كذلك في كل الكتب التي سلفت - قال تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} (الفتح : من الآية 29) وأنتم تعلمون أن المعية معية روحانية قبل أن تكون جسمانية لأنه نبي الأمة إلى قيام الساعة. إذاً .. المعية مفتوح بابها لمن أكرموا بالصفات الواردة في آخر سورة الفتح {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} لم يحدد لهم مكانا ولم يحدد لهم زمانا ولم يبين لهم أسماء ولكنه بين الصفات التي يجملهم سبحانه وتعالى بها فقال { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ..} صفاتهم {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ..} منهم خذوا بالكم {.. مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الفتح : من الآية 29) . كما قال الله تعالى لحبيبه ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} (الأحزاب : 7) ولم يقل وأخذنا منكم إذ لو قالها لأدخله صلى الله عليه وسلم فيهم ، ولكنه سبحانه يريد أن يبين أنه أخذ من أنبيائه الميثاق لـه صلى الله عليه وسلم لأنهم كما ذكرت نوابه. بين أممهم وأقوامهم وهم الشهداء بإقامة الله تعالى لهم على أممهم وأقوامهم ولكن إمام الكل في حضرة العلا هو سيدنا ومولانا محمد، هو الشهيد على جميع الشهداء بدءا وختما .. ولهذا قال لـه {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} (النساء :41). وهذه الآية تخص الشهداء على الأمم من الأنبياء والرسل، أما الشهداء فيما بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فقد أورد الله فيهم آيتين في سورة البقرة ، وآية آخر الحج عند قوله {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة : من الآية 142 & 143) وفي آخر الحج يقول آمرا بالجهاد لنحظى بأنوار الشهادة {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج : 78). وإذا علمنا أن الروح الكلية هي روح خير البرية، فالأرواح الكاملة كما ذكرت هي أرواح الأنبياء والرسل قبله وأرواح الوراثة من بعده، وقد قال الإمام أبو العزائم وأنتم تتغنون بما قاله :
نوابه وهو الحبيب الهادي
الرسل من قبل الحبيب محمد


لأن الرسول في حقيقة أمره لا يرسل إليه رسول. نحن لا ننكر رسالات ولا ننكر نبوات ونؤمن بكل الأنبياء والرسل كما نؤمن بخاتمهم صلى الله عليه وسلم . نعم أن الله فضل بعض الرسل على بعض، وفضل بعض الأنبياء على بعض، ومع كل هذا فإن الخاتم صلوات الله وسلامه عليه ينزل بتواضعه ويقول لا تفضلوني على يونس بن متى. أقول إن الرسول الحقيقي لا يرسل إليه رسول ، وبين لنا ربنا سبحانه وتعالى هذه الحقيقة العالية في قوله {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ  فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران :81 & 82) . ويلفتنا الله إلى هذا المقام عندما يوجه القول لحبيبه المصطفى في مقام المواجهة والحضور الكلي {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً  ..} و ( إنا ) رمز العظمة والسمو والعلو لأن المخاطَب عالي وعظيم أيضا {.. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} ( الفتح : 8 & 9) لأننا معه في حضرته صلى الله عليه وسلم . ولهذا يقول أبو العزائم مشيرا إلى هذه الحقيقة بقوله :

لما لهم قد أشهد الأنوارا
أهل المحبة من (ألست) سكارى

لبوا له متبتلين مرارا
شهدوا جمال حبيبهم سمعوا الندا

برهانه صرنا بذاك حيارى
العشق عند (ألست) كان محققا

أنتم معي إذ أظهر الأنوارا
وأنا من (ألست) مهيم بجماله

لم يشهد الأنوار والأسرارا
من لم يرى بألست نور جماله

فزتم ونلتم قربه وفخارا
بشرى لكم بالعشق يا أهل الصفا

كشف الحجاب لنا ورفع ستارا
في ( الذر ) نادانا الجميل تفضلا

للفضل حتى نشهد المختارا
واختارنا من قبل خلقة آدم

حب النبي به نـرى الأنــوارا
نحن الأوائل والأواخر حسبنا

أنـَّا نعم ( خير ) .. كفانا فخارا
وفي محكم القرآن أخبر ربنا

أنواره فأفاضت الأسحارا
بشرى لنا بحبيبنا من أشرقت

هذه الآيات تشير إلى أن أرواحنا جميعا كانت معه صلى الله عليه وسلم حال خطاب المولى لحضرته .. قل {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً  لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا} (الفتح : من الآية 8 & 9) وتسبحوه هذه هي لرسول الله . ليست لله - والضمير يعود على أقرب المذكورين أو المذكورْين. رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ..} يعني تنزهوه عن كل النواقص - كما قال الرجل الحكيم :
ومن لـه الحسنى فقط
من ذا الذي ما ساء قط

جبريل بالقرآن هبط
محمد طه الذي عليه


جائز واحد يتوقف عقله الكليل ويقول يا عم التسبيح لله ، وهل أمكنا التسبيح لله ؟ إنه السبوح، إنه القدوس، إنه الرءوف، إنه الرحيم سبحانه .. وقد سمى نبيه بالرؤوف الرحيم {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (الـتوبة : 128). الله أرحم الراحمين ولكنه قال لحبيبه ومصطفاه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء : 107) وكلمة للعالمين تشمل المؤمن وتشمل الكافر وتشمل البعيد والقريب والبار والفاجر، لأنه في الحقيقة رحمة للكل. ولقد تكلمت في الجمعة الماضية وقلت أن الأمة تنقسم إلى قسمين، وهو صلى الله عليه وسلم رسول الأمة، والأمة تشمل من على الأرض من بني آدم. لكن كل واحد منا يعلم من على الأرض. منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم البار ومنهم الفاجر، فالأمة أمة إجابة، وإمة دعوة. ونحن أمة الإجابة لأننا نودينا فلبينا وسمعنا فأطعنا وقلنا مع أهل الصدق {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} (آل عمران : من الآية 193) وقلنا سمعنا وأطعنا، نحن أمة الإجابة، ولكن الدعوة موجهة إلى الكفار لأنهم أمة الدعوة، ومن أسعده الله أزلا عنده منهم من أسلم وأعلن إسلامه ودخل حظيرة الإسلام مع المؤمنين كما يحدث في كل بلاد العالم .. خذوا بالكوا. يقول الله {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الفتح : من الآية 9) - وهنا نجلي لكم الأمر : تسبيح العبد لله لا يقف أمامه العقل .. لما ؟ لأنه الإله {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} (الزخرف : 84) لكن تسبيح العبد صعب على العقل إذا لم يمنح النور من ربه فكيف ينزه عبدا بشرا يأكل ويشرب ويتبول ويتغوط ويستيقظ وينام ويفرح ويحزن وفيه الصفات البشرية ؟ كيف أنزه هذا ؟ تنزيه الله سهل جدا لكن تنزيه العبد صعب جدا إلا لأصحاب القلوب التي صفت واستنارت واتصلت بالعبد اتصالا روحانيا صادقا وكاملا - يقول الإمام أبو العزائم : ( سر انكشف من الرب للعبد حتى تحقق لمن هو عبد ) يعني أن مقام العبد من مقام سيده لأنه عبد لذات لم يشرك بها أحدا .. قولوا صلى الله عليه وسلم ( مشهد فرد لفرد مفرد * وهو سر السر والغيب يصان ). نحن ننزهه عن النقائص لعصمة الله تعالى لـه، وذنوبه الواردة في أول الفتح هي ذنوب أمته {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح : من الآية 2) . هذه ذنوب الأمة .. وهل يغفر الله للعاصي إلا الذنوب التي قد سلفت ؟ فإذا غفر سبحانه غفر ما سلف في زمنه وبعد زمنه صلى الله عليه وسلم أمة في الحضور متأخرة فيقول الله لـه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنوب الأمة وما تأخر من ذنوب الأمة .. يشرح صدر حبيبه ومصطفاه بأنه سيغفر لأمته لأنه قال {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (الأنفال : من الآية 33) {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} (آل عمران : من الآية 101) وأبو العزائم يقول ( واقرأ [وفيكم] تشاهد * أنوارها في ازدياد ) فهو فينا بنور العلم وبنور المعرفة وبنور السر إلى آخره . ونحن علمنا أن الروح الكلية هي روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن الأرواح الكاملة هي أرواح الأنبياء والرسل من قبل ( وهم نوابه )، وأرواح الورثة من بعد ( وهم ورثته ) وهم جميعا يمثلون العقد الكامل. والعقد جزئين يتوسطهما درة .. جوهرة .. ياقوتة .. تطل على الجزءين معا فنصف العقد الأول يتمثل من آدم إلى عيسى على نبيينا وعليهم أفضل الصلوات وأزكى التسليمات .. بل ويلحق بالأنبياء من البشر والرسل من البشر الأنبياء والرسل من عالم الجن الذين أرسلوا إلى عالم الجن قبل ظهور آدم .. فقد كانوا نوابا أيضا، والنصف الثاني من العقد يمثل الورثة المحمديين إلى قيام الساعة .. والأشعة النورانية تصدر من درة العقد وجوهرة الكنز .. لأنه الممد لهؤلاء وهؤلاء. ولذلك نجد إشارات عجيبة نلحظها بعيون السر الباطن للذين سبقت لهم من الله الحسنى .. ونسأل الله أن نكون منهم .. ففي آخر سورة الجن إشارة عجيبة بأنه لا يظهر على غيبه أحدا. وهذا الكلام ليس بغيب لأن الغيب غيبان .. وتنبهوا فيما سأقول .. الغيب غيبان : غيب كنه الذات الأحدية وهو غيب محظور - لا يعرف الله في الله إلا الله .. ليس في الله إلا الله .. وليس في الكون إلا الكون .. فلا الكون ظرف لله.. ولا الله ظرف للكون ( الخلق في الخلق والخلق في الذات * إذا رأيت بنور العقل آيات ) إذاً غيب كنه الذات محظور. والغيب الآخر هو غيب الكائنات، وغيب الكائنات يشهده الله كله أو بعضه لمن يشاء من عباده {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (البقرة : من الآية 255) فالملكوت غيب ولله أن يشهدك إياه .. خذوا بالكوا .. في الأرض ملكوت وفي السماء ملكوت .. فالأرض ظاهرها ملك وباطنها ملكوت، السماوات ظاهرها ملك وباطنها ملكوت - قال تعالى {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام : 75)، إذاً لا يشهد الآيات في الأرض إلا أهل اليقين. أعود فأقول أن غيب كنه الذات محظور وغيب الكائنات مباح - لكن لمن؟ {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق : من الآية 37) لكن مع هذا فإن غيب كنه الذات شرف الله به حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم في ليلة الخلوة الكبرى وليلة الجلوة العظمى، في ليلة {دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} في ليلة { إذ يغشى السدرة ما يغشى} في ليلة {ما زاغ البصر وما طغى} في ليلة {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (النجم) . والآية التي في آخر سورة الجن {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً  إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً  ..} رصدا منسوب إليه، والشهود على أممهم وأقوالهم هم من ورثته، وهو صلى الله عليه وسلم الشاهد والشهيد على الكل، وهذا العبد الرسول المبلغ عن ربه {.. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} (الجـن : 28 - 30 ) واستمع للآية ماذا تقول : الرسل كلهم لا يتكلمون يوم القيامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي يجيب {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (المائدة : 109) .
نحن لا نغالي في وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأننا لا نستطيع أن نغالي فيه ولا أن نغلوا في وصفه بل نقر بالعجز عن حقيقة الوصف الذي هو عليه صلى الله عليه وسلم إذ لا يعلم كنه حقيقتة إلا الله .

والكون عن فهم الحقيقة حائر
كل الوجود بأسره في دهشة

لم يدره إلا الإله القادر
عجز الورى عن فهم سر محمد


وحيث أننا أكرمنا في هذه الجلسة. بمعرفة الروح الكلية ومعرفة الأرواح الكاملة .. بقيت أمامنا الأرواح الجزئية وهي أرواح أهل الإيمان بدءا وخاتما. أما أهل الكفر فهم أصحاب نفوس شريرة لا روح لأي منهم لأن الروح بمعناها مصدر إيمان ومصدر تسليم ومصدر خشوع وخضوع لرب العالمين. هذه الروح كنا نسمع الآن ما قاله أبو العزائم رضوان الله عليه لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه داعي الأرواح لحضرة الذات - وهو يقول :
رفقا بجسمي ففيه سر آياتي
لبيك يا داعيا روحي إلى الذات


وكلمة لبيك لا تقال إلا لحاضر وقريب، لا تقال إلا لشاهد - كما يقول الحاج أو المعتمر لبيك اللهم لبيك. فإذا قال أبو العزائم لبيك يا داعيا روحي إلى الذات .. علمنا بيقين أن المنادى صلى الله عليه وسلم قريب وحاضر وشاهد وأنه يسمع ويجيب. وقد قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا الحقيقة في حديثه الصحيح الشريف الذي يقول فيه " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " (أبو داود : 1745) لم يحدد الحديث في أي زمان وفي أي مكان يكون السلام والرد عليه، لكنه قال لكل مسلم من أمته .
قولوا : اللهم . يـــا الله . يـــا الله . يـــا الله .. يا نور السماوات والأرض، نسألك سبحانك، في هذا المكان، وفي هذا الزمان، أن تكرمنا بأنوار حبيبك ومصطفاك،صلى الله عليه وسلم، بأن تجملنا بجمال أهل معيته، حتى لا يغيب عنا، صلى الله عليه وسلم، طرفة عين ، ولا أقل، يـــا الله . يـــا الله . يـــا الله . اللهم اجعله شفيعا لنا، اللهم اجعله شفيعا لنا، اللهم اجعله شفيعا لنا، واملأ قلوبنا بأنوار محبته، وأكرمنا باتباعه، قولا وعملا وحالا واعتقادا، يا رب العالمين .. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وقفنا عند حديثه الشريف الصحيح الذي يقرب صلى الله عليه وسلم إلينا به الحقيقة وهو يقول " ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " لم يحدد صلى الله عليه وسلم مكانا للمسلم الذي يسلم عليه كما لم يحدد لـه زمانا، يستوي في هذا من كانوا في زمنه وأكرموا بصحبته صلى الله عليه وسلم وآخر مسلم يمشي على ظهر هذه الأرض. ونحن نقف معا وقفة تدبر وتأمل أمام ألفاظ هذا الحديث - لأنه يقول ( ما من مسلم يسلم علي ) . وكلمة مسلم تشمل كل فرد في الملك وفي الملكوت، وفي عالم العزة وفي عالم الجبروت وفي عالم اللاهوت وفيما وراء كل العوالم التي لا تعلمها أسلم وجهه لله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة : 112). وكل من أسلم وجهه لله وهو محسن سواء كان بشرا، أو حال كونه من الجن، أو من الملائكة، أو من حملة العرش، أو من الطائفين حوله، أو من عالم عليين، إلى آخره .. كل هذه العوالم التي يتشرف أهل القرب فيها بإسلام الوجه - أي الحقيقة - لله يسلمون عليه صلى الله عليه وسلم ، وصلاتهم عليه تشمل كل الأنفاس وكل اللحظات. وإذا كان موطن الأرض التي نعيش فوقها مع من عليها من أهل الإسلام في كل مكان تختلف أوقاتها عندنا هنا ، والحديث يقول " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يَمضي ثلث الأول فيقول : أنا الله الملك . من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر لـه ؟ - فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر " ( الترمذي : 408 ) . يفسر أهل الفكر القاصر وأهل العقل المظلم هذا الحديث بأن ربنا لـه نزول حقيقي - كما سمعتها بأذني من بعضهم – لأنه فوق السماء السابعة، فقد حددوا لـه مكانا، وجالس على العرش، فينزل كل ثلث الليل الأخير في السماء الدنيا . وكانت هذه الفرية من على منبر من منابر فايد ، وأحضرته وقلت لـه إنك تجهل أبسط مبادئ الجغرافيا لأن ثلث الليل الأخير لا ينتهي من على سطح الأرض الأربعة والعشرين ساعة . إذاً - على حسب مفهومك - ربنا من يوم ما نزل ما طلعش ولا شاف شغله ولا قعد على عرشه . النزول إلى السماء الدنيا نزول رحمة ، نزول مغفرة ، نزول مواجهات ، نزول تنزلات ودادية لمن سبقت لهم منه الحسنى .. الكل يسلم على حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائل " ما من مسلم يسلم علي ألا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" ( أبو داود : 1745 وأحمد : 10395 ) و معنى أن ترد الروح إلى الجسم فهو صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلمنا حياته ظاهرا وباطنا ، فهل في كل نفس بل في جزء من النفس ربنا يدخل روحه ويخرجها ثم يدخلها ويخرجها ... وهكذا ؟ هو صلى الله عليه وسلم يقول حياتي دائمة بجسمي وروحي " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " ( أبو يعلى 6 / 147 رقم 3425 وابن عساكر 13 / 326 والديلمي 1 / 119 رقم 403 وابن عدي 2 / 327 ترجمة 460 من حديث أبو الدرداء وأنس ) وقال " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " وأخرج ابن ماجه في حديث رواه أبو الدرداء قوله صلى الله عليه وسلم " ...... أجساد الأنبياء . فنبي الله حي يرزق " ( 1627 ) .. فالذين قتلوا في سبيل الله هم أحياء عند ربهم يرزقون ونهانا ربنا أن نقول عليهم باللسان أنهم أموات . والسبب في هذا الحديث الشريف طلبه صلى الله عليه وسلم من أصحابه كثرة الصلاة عليه يوم الجمعة وأن صلاتهم معروضة عليه صلى الله عليه وسلم فتعجبوا لأن الأجسام قد أرمت فأخبرهم بأن النبي عند الله حي يرزق . وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه التقى أثناء مسراه بموسى عليه السلام فقال " لما أسري بي مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر " ( النسائي : 1613 ) .
جسمه الشريف صلى الله عليه وسلم الذي كان يأكل به ويشرب أصفى وأرقى وألطف من أرواح الملائكة المقربين بدليل أنه أسرى به جسما وروحا وعرج به جسما وروحا وتخطى العوالم جسما وروحا ، وعند سدرة المنتهى قال للروح الأمين جبريل تقدم معي يا أخي يا جبريل فقال لـه إلى هنا مقامي ولو تقدمت لاحترقت وما منا إلا لـه مقام معلوم .. وتجاوز المصطفى ما وراء السدرة من عوالم بجسمه لأن جسمه كما قلنا ألطف وأرقى وأصفى من الملائكة المقربين. والعارف بالله يقول لـه ( فذاتك النور نالت من لطافتها * ما دونه وقفت ذات الملائكة ) .
هنا أحب أن أقول لكم : أن الروح ليست فينا بمعنى في الظرفية يعني ليست بداخلنا ومحصورة بالجسم بمعنى وجود الماء في الكوب . فإن المعاني لا تحيز بالمباني، فكيف تكون الروح فيَّ ؟ يقولون عند الوفاة ( طلعت روحه ) . إستمع للآية {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} (الأنعام : من الآية 93). الروح حاجة والنفس حاجة. النفس إذا أسلمت صفت {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس : 9 & 10) وعلاجها التزكية ، لكن الروح صافية بطبيعتها ، والروح فينا أي مواجهة إلينا، أي كل روح مواجهة لصاحبها وملازمة ولئن صعدت إلى أعلى السماوات، ولو كنت أنت هنا على الأرض وإن كانت من الأرواح السامية في العوالم. والروح سر من أسرار الحي القيوم، لا تكيف .. ولا تمثل . والكلام هو الذي يظهر مجازا أن المراد الروح كما قال إمامنا رضي الله عنه من قصيدة له :
بغير كيف وفيها نور مجلاه
نفسي هي الكنز فيها سر معناه

إلى أن يصل إلى التساؤل فيقول رضي الله عنه :
أم كوكب مشرق بضياء مبناه ؟
يا نفس نور أنت أم عرض؟

أو قمت فيه فهذا السر أهواه ؟
وهل بك الجسم قد قامت معالمه ؟

فتجيب الروح بعد سؤالها
فيعرف الله رب العرش مولاه
من أمر ربي ومن يطلبه يعرفني


فللروح شأن عال وسرها عزيز، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لا أحب لأحد من الإخوان أن يعتقد أن الروح بداخل الجسم كالماء في الكوب كما سبق وقلت ، وسأضرب لكم مثلا بالمرآة والصورة . تواجه أنت المرآة فتظهر الصورة عند المواجهة، وتتحرك الصورة بحركة المواجه للمرآة وتبين مسافات أيضا، فلا تثبت أن الصورة هي ذاتك ولا تنفي أنها لست أنت، فلا هي عينك ولا هي غيرك ، فطالما أنت مواجه لها فحركات الصورة فيها من حركاتك أيها المواجه. أنت رمز الروح والمرآة رمز الجسم. المواجه لـه صورة حياة وبصورة حياته تحيا بنور الحياة تتحرك، وتسعى أي تتحرك بالمواجهة، فإذا تحركت المواجهة عن المرآة بعيدا عنها أصبحت المرآة خالية من الصورة، وبالبحث عن الصورة في المرآة فلا تجدها. المراية فاضية. فإذا تركت الروح هيكلها أي حجبت عنه ولم تواجهه قيل مات وتركت صفحته بيضاء ليس لـه سابقة ولا لـه كلام ولا لـه نفس ولا حياة ولا علم ولا حكمة ولا معرفة ولا حكم ولا حس ولا لـه شيء أبدا - يشير الإمام إلى مقام الإنسان الكامل ويقول :
فصح غرامي ثم طاب جنوني
عشقت ولكن بعد رأي عيوني

عن الكيف والتشبيه والتعيين
بدى ليَ في كنز الخفاء منزها

فلبيت ولهانا لرشف معيني
وخاطبني مني خطابا مقدسا

به حِبُّ قلبي نوره يهديني
عشقت وكان العشق باب سعادتي

رأيت بها كل العوالم دوني
وناولني حال البداية خمره

تمتع أخي بجمال في مظهر التعيين
بل أنا صورة الرحمن والنور مشرق

نرى فيك السميع ونرى فيك البصير لأنك مرآة والحقيقة فوق عالية المقام وعالية القدر . نسأل الله أن يكرمنا بمعرفة سر الروح، وأن يدخلنا في رياضها، وأن يمتعنا بأسرارها، وأن يفهمنا قول أبو العزائم رضي الله عنه :
تلك الجسوم لها الأرواح ترديها
الروح إن سكرت بالجسم قد لعبت

أنا لها الرق دعني أروي ما فيها
يا جسم مالك والأرواح إن طربت ؟

وأسأل الله لي ولكم حسن الختام .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . طاهر محمد السيد مخاريطة - 28 ربيع الأول 1409 هجرية

Arabic English French Italian Portuguese Spanish

صورة الامام ابو العزائم