طفولته رضي الله عنه:

طفولته رضي الله عنه:

تميز الإمام عن أقرانه في طفولته بأمور منها:

(1)           حرصه إلى التشبه بأفاضل الرجال في السلوك والزي، وكان محبا لارتداء العمامة.

(2)    التجافى عما اعتاده الأطفال في مثل سنه من لعب ولهو، فإذا أصروا على أن يشاركهم اللعب جمعهم وسار أمامهم يقول وهم يرددون خلفه:

يا إلهي المرتجى        **         يا رجا كل الرجا

(3)    كان نظيفا في بدنه، طاهرا في ثوبه، يحب القرآن، ويغشى مجالس الذكر، عرف بالأمانة والصدق، بدت عليه مخايل الفطنة وملامح الذكاء، يستوقف مرآه من يراه فلا يملك إلا أن يطيل النظر إليه.

(4)    أحب المسجد فانبرى لخدمته، والعبادة فصام أيام الإسلام المباركات تقربا لربه وقام لياليها تعبدا لخالقه، وكثيرا ما اتجه لزاوية أم إسماعيل- التي بناها أجداده- وحداثة سنه تسبقه- لا بل طهارة قلبه- إلى هذا المكان ليعطي الأمل لمشرق نجم عبادة وضياء وأخلاق وطاعة.

(5)    كثيرا ما كان أهل البلدة يلتمسون منه الدعاء، ويتبركون، ويطلبون من المولى سبحانه الشفاء، ومع اليد الطاهرة ينجاب المرض، ومع الأنفاس المباركة يذهب العرض.

(6)    تميز بحسن التصرف وسرعة البديهة، لقيه يوما أحد الأعيان ممن اشتهر بالدعاية، اعتاد أن يسأل الأطفال عن أسمائهم وأسماء آبائهم فيعلق ساخرا. ولما سأل الإمام من أنت ؟ قال : محمد، قال ابن من؟ قال : ابن رسول الله.. فما استطاع لرد من سبيل.

حفظه القرآن الكريم :

وكان يصحب شقيقته زينب وشقيقه أحمد إلى مكتب تحفيظ القرآن الكريم بالقرية وهو في حداثة سنه، وكثيرا ما كان ينبههما إلى مواطن الخطأ في تلاوتهما، فكان ذلك مثار العجب منهما، فإذا سألاه قال : أنتم تحفظون القرآن أما أنا فيحفظني القرآن.

وفي السادسة بدأ حفظ القرآن على يد الشيخ محمد القفاص ، وختمه ولما يتجاوز العاشرة. وكثيرا ما استمع الشيخ القفاص إلى تلميذه مفسرا لبعض آيات القرآن كاشفا الستار عن متشابهها، لأنه رضي الله عنه كثيرا ما كان يجالس العلماء في منزل والده فينقش على جوهر نفسه كل ما كان يسمعه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. وأثناء ذلك عهد به والده إلى معلم يعلمه القراءة والكتابة والحساب.

تلقيه العلم في صباه:

لاحظ السيد عبد الله محجوب ماضي شدة رغبة ولده لطلب العلم، فكلف عالما من علماء الأزهر يسمى الشيخ عبد الرحمن عبد الغفار بذلك:

(1)           فحفظ رضي الله عنه من الفقه متن أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك.

(2)           وحفظ قسم العبادات من الموطأ.

(3)           وحفظ التوحيد من متن السنوسية.

(4)           وحفظ الحديث من مختصر الإمام البخاري للزبيدي.

(5)           وحفظ من النحو الأجرومية والألفية.

وأثناء صباه رضي الله عنه، شغف بتلاوة سير القوم وتتبع أخبارهم والتحلي بأحوالهم. وكان له مع والده في كل يوم وقت ثابت يمضيه معه في قراءة باب من كتاب (إحياء علوم الدين) للإمام الغزالي رضي الله عنه.

واستمر الإمام في تلقي العلوم إلى أن بلغ أربعة عشر عاما.

شبابه رضي الله عنه.

نستطيع القول إن حياته فيما بين سن الرابعة عشر إلى السادسة عشر تميزت بما يلي:

(1)           تلقى على يدي الشيخ محمد الخطيب علوم الفقه ووجوه الرأي والاستنباط.

(2)           تلقى طريق السادة الصوفية، واشتغل بذكر أسماء الله تعالى في كل يوم وليلة وبعدد مخصوص.

(3)    كان يتوق إلى سماع سير الصالحين ويتقرب منهم ويتودد إليهم ويبذل كل ما في وسعه ليكون محبوبا لديهم مقربا منهم.

(4)           اهتم بقراءة كتب الرجال ومعرفة أخبارهم وعلم سيرهم.

(5)           صاحب الشيخ محمد القفاص فترة لدراسة علوم اللسان والتوحيد.

(6)           اشتغل بعلوم الحكمة والطب والصيدلة منفردا، مستعينا في ذلك بالكتب العلمية التي بمكتبة والده.

ولما بلغ السادسة عشرة من عمره، توجه إلى القاهرة للالتحاق بالجامع الأزهر، وأقام بمنزل أخيه السيد أحمد بحي الباطنية خلف الأزهر الشريف، ولم يرق له طريقة الدرس بالأزهر إذ لحظ البون الشاسع عند المقارنة بما كان يتلقاه من قبل.

وكان يتصرف بعض وقته في صحبة الشيخ حسنين الحصافي، وتلقى منه الطريقة الشاذلية عام 1302 هجرية.

وتصادف أن كان الشيخ حسن الطويل في زيارة شقيق الإمام السيد أحمد، فأخبره بعدم رغبة الإمام في الالتحاق بالأزهر، فاقترح الشيخ حسن الطويل دخول الإمام الامتحان المعادل لشهادة الثانوية الأزهرية الذي سيعقد بعد خمسة عشر يوما، وليكون رضي الله عنه مؤهلا للتقدم لمدرسة [1] دار العلوم الخديوية، وخصوصا أن المستوى العلمي للإمام فيما درسه من علوم تؤهله لاجتياز هذا الامتحان بسهولة. وعكف الإمام على دراسة علوم شهادة الثانوية الأزهرية هذه طيلة الخمسة عشر يوما المتبقية. وقبل الامتحان بيوم حضر الشيخ حسن الطويل ليطمئن على مدى تحصيل الإمام للعلوم التي سيمتحنها، فدهش عندما وجد الإمام قد استوعب كافة هذه العلوم التي يقضى فيها الطلاب سنوات عديدة، فقد كان ما سبق له من دراسات طوال الفترة الماضية كافيا له لتفتيح مدارك التحصيل. وامتحن الإمام وحصل على شهادة الثانوية الأزهرية.

وقد مالت نفس الإمام إلى الشيخ حسن الطويل فيما بعد، فتلقى منه علوم التوحيد وصحبه زمنا، وكان يشتغل معه في منزله بمطالعة كتب الحكمة ، وكان الشيخ الطويل عندما يهذب إلى الإمام في منزله يتلقى منه علوم المضنون. كما تلقى من الشيخ عليش علوم الفقه.

ونستمع للإمام وهو يقول : " .... ثم كلفني شقيقي أن انتظم بمدرسة دار العلوم الخديوية، فتلقيت ما هو مقرر لطلبتها. وكنت في أغلب أوقاتي أكتب على بعض الأحاديث أو الآيات القرآنية، وأكتب بعض أبيات في أمور أعتبرها مما يدل على قدرة الله تعالى أو بديع صنعه تعالى. وصار ذكرى قراءة القرآن والتدبر في معانيه وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته، وسيرة خلفائه، وأهل الخير من السلف ، لا لقصد أو لهوى، ولكن لميل في النفس ورغبة. وكنت أنا بمصر كلما سمعت بصالح أو ولي أو عالم تقي زرته وسمعت منه، فإذا سمعت منه الحكمة أو شيئا من علوم التوحيد أو الأخلاق أحببته، وإن رأيت منه غير ذلك سلمت له وانصرفت عنه، وما وجدتني معارضا أو منتقدا أو مجادلا.. اللهم إلا إذا رأيت ما يغضب الله، فكنت أنصح وأعظم برحمة ولين وكان لي إخوان يطلبونني ليسمعوا مني ما كنت أكتبه عن الأمور التي أعتبر بها".

ومن الآيات التي كتب عنها بعض ما من الله به عليه قوله تعالى  )إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) (طـه:98).. قال[2]:

"الإنسان إذا ذاق حلاوة الأنس بشهود سر ما أودع فيه من تجليات الربوبية المشهودة بعين يقين ضميره من حضرة الغيب، مال حسه إلى أن يشهد تلك الرتبة: رتبة الربوبية، فإذا لم يتداو بدواء سماوي عن تلك الميول الحسية انعكس نوره ظلمة، وأنسه بالغيب وحشة، فجسم وأشار، وجعل الرب ناسوتا جسمانيا قام بلاهوت[3] حيواني، واستدل على ذلك بآية خارقة للعادة، يستأنس بذلك من لم يذق أسرار الغيب، ويميل إلى ذلك من لم يشهد نور تجلي الرب.

وقد ظهرت تلك الانفعالات النفسية من قوة الخيال إلى حضرة العيان، أعنى به سامري بني إسرائيل. وعكف هو وكثيرون على عبادة ما جسمه بيده من الحلي، حتى جاء سر السماء الظاهر على لسان موسى عليه السلام وعصاه ويده، فصدع بالحق وأبطل الباطل، وكشف حجاب الحسن عن عين البصيرة، فلمعت أنوار البصر على أولئك المارقين من حصن الأمان، فندموا ندامة محقت أنفسهم الحسية الحيوانية بدليل () فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ )(البقرة: من الآية54).فتفضل الإله المنزه فتاب عليهم.

ثم ترجم لسان الربوبية الناطق بلسان النبوة عن حضرة الألوهية بالتنزل الفضلي قائلا )إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ )(طـه: من الآية98) مشيرا أولا إلى رتبة الألوهية لظهورها حسا ومعنى لكل متدبر، واختصاص تلك الرتبة بالذات الأحدية عن الحيطة والنسبة العلية من إدراك العقول والأوهام والخيالات، فاندهش السامريون لقصر مداركهم وعدم تأهلهم لحضرة القدس الأعلى، لأنهم لا يمكنهم أن يخصصوا تلك الرتبة بالذات العلية قدرا والتي العلم بها جهل والجهل بها علم، فتنزل فضلا منه وكرما وأوقفهم في موقف الغيب عن الحس ليذوقوا حلاوة الشهود البصري من حضرة الغيب المطلق عن التقييدات الغيبية فقال ) الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) مخصصا تلك الرتبة الإلهية على غيب الهوية ليتيقنوا أن الحق غيب لا يشهد إلا بعين البصيرة، وظاهر لا يعلم إلا بكشف الحجب الكونية، فانبعث من شمس بيان التخصيص الأول بالذات القدسية أشعة أنوار المعرفة لأهل الاختصاص بالقدس الأعلى، ومن التخصيص الثاني الغيبة عما سواه سبحانه وتعالى، فكانت الرتبة الأولى رتبة المتمكنين من الأنبياء والمرسلين والصديقين، والرتبة الثانية رتبة المجذوبين للحق بالحق أهل الفناء المطلق. ثم أيد معنى اللسان الحقي المشرب الأول والثاني بكلمة هي من جوامع الكلم يذوق كل سامع منها حلاوة مشربه قائلا) وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً)(طـه: من الآية98)، فالأول شهود السعة الذاتية الماحية لكل شيء والثاني سعة الهوية الساريين في كل شيء فثبت قدمه في حضرة ) وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ )(الحديد: من الآية4)، وأشرقت أنوار بصره من حيث الوجهة، فارتفعت ستائر الكون في لآلئ الغيب وذاق حلاوة) فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: من الآية115) من حيث لا حيث بالنسبة المقيدة ، بل من حيث إطلاق الرتبة المقيدة".

كتب الإمام ذلك وهو ابن سبعة عشر عاما.

وقد توطدت صلة الود بين الإمام وبين علي باشا مبارك وزير المعارف العمومية وقت ذاك، فقد كان الباشا صديقا للسيد أحمد شقيق الإمام، وكان قد سبق وعرفه به مع بعض رجالات مصر، وذلك بحكم عمله في الصحافة ومعرفته بهم حيث كان أحد مؤسسي جريدة المؤيد الإسلامية اليومية مع الشيخ على يوسف، وهي أول جريدة إسلامية في مصر.

تخرج الإمام في كلية دار العلوم عام 1305 هـ الموافق 1888 م، وعمره تسعة عشر عاما.



[1]- وهي الآن كلية دار العلوم، لأن المدرسة وقتها كانت تقبل مستوى الثانوية الأزهرية، ولذلك تحولت اسما إلى كلية.

[2]- مجلة المدينة المنورة: السنة 10 العدد 13 ص 13 (16 رمضان 1356 الموافق 19 نوفمبر 1937)

[3]الناسوت: الجسم.. اللاهوت: الروح

Arabic English French Italian Portuguese Spanish

صورة الامام ابو العزائم