انتقال الامام ابو العزائم الى ام درمان

) الانتقال إلى أم درمان:

من الثابت أن الإمام رضي الله عنه كان بمدينة أم درمان في العام 1902 ، وهو العام الذي نقل فيه إلى مصلحة المعارف السودانية، والذي افتتحت فيه كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حاليا)، إذ توجه الإمام من أم درمان إلى الخرطوم مع الأساتذة العاملين بمدرسة أم درمان لحضور حفل افتتاح الكلية.

جاء الإمام إلى أم درمان وهي مثقلة بالجراحات، فقد كانت عاصمة وحاضرة الدولة المهدية والتي سقطت بمعركة كرري على مشارق شمال أم درمان، فقد كانت خارجة لتوها من معركة أبيد فيها الكثير من سكانها أما الجيش الإنجليزي الغازي.

وما أن مضى على قدوم سماحته شهر واحد حتى تكاثرت الطلبات للدخول بالفصل الذي سيدرس فيه. وقد حرص على أن يغذي عقول الطلبة بعلوم مواد السنة الأولى لدار العلوم المصرية من نحو وصرف وبيان وبديع وتفسير وحديث، فقد أنشأت مدرسة المعلمين بأم درمان على غرار مدرسة دار العلوم المصرية التي تخرج منها الإمام. ولم يترك الإمام هذه السنة الدراسية تمر إلا وقد اختبر طلبة هذا الفصل الذين كانوا نواة مدرسة المعلمين السودانية، فوجد جهوده صادفت تربة خصبة قد أثمرت في رجال كانوا بحق صفوة أهل السودان وخيرة أبنائه الذين ظلوا متمسكين بمبدئه السامي في خدمة الإسلام والمسلمين بهذا القطر الشقيق.

وكعادة الإمام رضي الله عنه، فلم يكن يكتفي بواجب وظيفته، بل كان يمضي جل وقته في الدعوى إلى الله. وقد كانت لـه حلقة علم في مسجدها الجامع حيث قرأ الموطأ وحكم ابن عطاء الله، وذكر الإمام أن أهل أم درمان يحبون العلم والعلماء إلا أنهم يحتاجون إلى مبادئ العلوم حتى يتأهلوا لفهم روح الشريعة. وفي أم درمان اتصل الإمام وتعرف على كثير من الشخصيات الوطنية ذات المكانة الاجتماعية والدينية، والذين ظلوا على محبتهم وصلتهم بالإمام حتى بعد نقله للخرطوم وكذلك بعد استقراره رضي الله عنه في مصر، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ مدثر إبراهيم الحجاز حامل أختام المهدي- وهو من الشخصيات الوطنية البارزة، وبعد دخول الإنجليز السودان  عرفوا لـه هذه المكانة، فكان محل احترامهم وتقديرهم، وهو تجاني الطريقة، رطبت بينه وبين الإمام رضي الله عنه رابطة المحبة والأخوة في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم- ومن بعده خليفته عبد الله التعايشي تلميذ الإمام، والشيخ قريب الله أبي صالح الطيبي شيخ الطريقة السمانية بأم درمان، والشيخ أحمد السيد مفتي السودان، والشيخ عبد الرحمن محمد أحمد المهدي، ,الشيخ عبد المجيد الدفاري.

وقد كان منزله أشبه بمنتدى أدبي يضم عليه القوم بالسودان من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان رضي الله عنه يسعى لجامع أم درمان العام الذي كان يقع على بعد كيلو مترين من منزله عقب الغروب فيدرس به الفقه على مذهب الإمام مالك رضوان الله عليه من بعد صلاة المغرب إلى ما قبل صلاة العشاء، ثم يدرس بعد العشاء درسا خاصا في الحديث الشريف حتى ينقضي الثلث الأول من الليل، فيعود في موكب من طلابه إلى منزله حيث يجد كثيرا من العلماء المصريين من أئمة القوة العسكرية قد سبقوه إليه، وكذلك قاضي قضاة السودان الشيخ محمد شاكر، فيتدارسون القرآن ويتجاذبون أطراف الحديث في غوامض أسرار الصوفية ومآخذ أهل الذوق في القرآن الكريم إلى منتصف الليل، وبعد انصرافهم لا يبقى معه إلا نفر قليل، فيملي عليهم ما كانوا يحتارون في فهمه إلى الهزيع الأخير من الليل، حتى إذا نام الموجودون تركهم إلى مخدعه للتهجد لله تعالى في صرصر الليل، فلا تغمض لـه عين قبل صلاة الفجر، وبعد صلاة الفجر يذهب إلى فراشه حتى مطلع الشمس أو بعد ذلك بقليل حيث موعد الدرس بالمدرسة.

وفي السنة الثانية لـه بأم درمان التف حوله طلابه وعارفوا فضله مرة أخرى بالجامع الكبير وفي المدرسة وبمنزله الشهير الذي أصبح قبلة أنظار أهل العلم والفضل.

وقد زار المدرسة لفيف من مفتشي المعارف المصرية مع المستشارين الإنجليز بها وحضروا درسا للإمام وحضروا أسئلته وإجابات الطلبة فأخبروا بأن إجابات الطلبة تنبئ عن سعة في الفهم مع استجلاء لحقائق غامضة على كثيرين في فقه اللغة ليست مشوشة بالمعقدات في كتب اللغة في أسلوب عذب بسيط، وأن ما حصله هؤلاء الطلبة يضاهي ما حصله طلاب السنة النهائية بدار العلوم بمصر أن لم يمتز عنهم في نواحي كثيرة.

وفي الجامع الكبير ازداد إقبال الخاص والعام على هذا المنهل الروي حيث قام الإمام بشرح حكم ابن عطاء الله السكندري لكثيرين من علماء السودان الأعلام الذين صحبوه في هذه السنة ولازموه.

وأثناء إقامته رضوان الله عليه بأم درمان أصدر مجلة (السعادة الأبدية) لسان حال الدعوة العزمية في وادي النيل، والتي استمرت في الصدور من عام 1903 حتى 1915.

Arabic English French Italian Portuguese Spanish

صورة الامام ابو العزائم