الرئيسية / كتب اساسية / كتاب الاسلام نسب / البـاب الثـالــث : المجـتمع الإسـلامـي – الفصـل الأول بنـاء المجـتمع الإسـلامي

البـاب الثـالــث : المجـتمع الإسـلامـي – الفصـل الأول بنـاء المجـتمع الإسـلامي

البـاب الثـالــث

المجـتمع الإسـلامـي

الفصـل الأول

بنـاء المجـتمع الإسـلامي

الذكرى تنفع المؤمنين :

أبتديء في الذكرى بنفسي وبعشيرتي الأقربين ، إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعملا بسنته صلى الله عليه وسلم .

الذكرى لنفسي :

أي نفسي : إن الحق وإن ثقل عليك تحمله ، وصعب عليك العمل به ، لما أنت مفطورة عليه من النزوع إلى ما يلائمك ، والميل والمسارعة إلى ما تشتهين ، فإن الحق يا نفسي هنيء مريء ، تفوزين به برضوان الله ، و بالعزة به سبحانه في الدنيا ، وبنيل السيادة في الناس ، وبمساعدة كل من يعرفك لك يانفسى ،  حتى تكونين كملك بين رعيته ، أو كوالد  بين أبنائه ، كل ذلك إذا أطعتني يا نفسي في العمل بالحق ، ولم تتعاصي على الحق  وإن ثقل عليك يا نفسي عمله .  فلو تفكرت قليلا في نتائجه وفوائده لكان أخف عليك من النسيم العليل البليل ، وأشهى إليك يا نفسي من الماء البارد في اليوم الصائف في الصحراء بعد فـقده ، لأن الماء البارد في هذا الزمان والمكان يفيد فائدتين ، الأولى : حياة النفس ، والثانية : لذة الشارب ، فكذلك العمل بالحق يا نفسي يفيدك فائدتين، سعادتك في الدنيا ، والنعيم الأبدي في الآخرة .

أي نفسي : ترغبين في لذة يعقبها ضياع الشرف بين الناس ،  و الذكر الجميل ،     والدين والدنيا ؟   تطمعين يا نفسي فيما لو نلتيه لا ينفعك ولو تركتيه لا يضرك ؟  إن شبعت سارعت إلى معصية الله ، وإن جعت يا نفسي بادرت إلى مخالفة الله ، فلا أنا منتفع بك في شبعك ؛ لأنك تقرينني على عمل المعاصي ، فتقومين لطلب الجاه ولأذية الناس ، ولا أنا منتفع بك في الجوع ؛ لأنك عند الجوع تقنطين من رحمة الله ، وتحتالين في طلب قوتك من أي وجه من وجوه الحرام ، وإما ببذل الحياء أو العرض أو الشرف ، أو بالختل أو بالتلصص .

أي نفسي : إن كنت في شبعك تعصين الله ، وفي جوعك تعصين الله ، فأنت و الله عدوتي و داعيتي إلى الهلاك الأبدي .  أي نفسي : إن أنعم الله عليك استعملت نعم الله في معاصيه ، وأنفقت رزق الله في وجوه مخالفته ، تتركين الحج وتحجين إلى بلاد الكفار ، تتركين إخراج الزكاة و تتقربين إلى أهل السلطة بنفائس الأموال ، يكون قريبي جائعا بجاري فلا أرحمه ،  وخزائني مملؤة من نعمة الله ،  فأنفق الآلاف من الجنيهات تقربا إلى ذي سلطـان ، ولو كان كافرا ،  لعلك يا نفسي نسيت يوم الحساب أو تناسيته ، أذكرك يا نفسي يوم الحساب   )  يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ  سَلِيمٍ  (  سورة الشعراء آيات (88-89) .

 

أجابتني نفسي : وكيف أكون عدوة لك ، وأنا إنما أعمل لأجلك ، متى عملت ما يضرك أو يؤلمك ، أنا أجتهد أن أجعلك إنسانا متلذذا فرحا . أجبتها : يا نفسي تظنين أن تلذذي بمجالس اللهو ، ومداعبة أهل الخلاعة و مغازلة النساء ، واعتدائي على الناس لأقهـرهم ، واشتـفائي من الناس بتنقيصهم و مخاصمتهم ، حتى انتقم منهم لنفسي ، و سعيي في زوال نعمة من أحدهم ، وإذلالي لأقربائي ، وقهري لجيراني ، وخوف أهل البلد مني ، و عنايتي بنظافة جسمي ، وتحسين ملابسي ،  وتجميـل بيتي بالفرش والأواني ،  و الحدائـق  و الأنوار ، حتى أبالغ فأجعل للنعل ممسحة  أحفظها ، أمسحه بها كلما قدمت على قوم ، حتى تكون ثيابي ووجهي ونعلي في غاية الجمال تستوجب التفات نظر الناس ، واجتهادي في انتقاء أسرع الخيل للركوب و مشيي أتمايل كالعروس ، و حرصي على الأموال و الاجتهاد في تنميتها من غير أن أستعملها في النفع العام ،  و تظنين أيضـا يا نفسي أن طيب المأكل   و المشرب ، وثنائي بلساني على نفسي ، و افتخاري بما لم أعمل ، تظنين يا نفسي كل ذلك هو الخير الحقيقي و السعادة الحقيقية ؟  .  أجابت نفسي : نعم ، أي لذة بعد هذا ؟ .  أجبتها : يا نفسي كل هذا ملاذ لأدنى مراتب البهائم ، وربما كان البهيم أكمل لذة منك يا نفسي فيما تظنينه لذة ، أنصحك أن تقرئي بهجة النفس في كتاب ( اصطلاح أهل الطريق )  وأن تذاكري موضوع  الإنسان في كتاب ( النور المبين )  ، والواجب عليك يا نفسي قبل أن يأتي اليوم الذي لا يتسنى لي أن أحصل كمالاتك .

يا نفسي : أنا لا أقول لك أترك الأكل والشرب ، وملامسة النساء ، ونظافة الجسم والثياب والفرش ، وانتقاء الهواء الجيد للسكنى ، والتجمل بنعمة الله تعالى إظهارا لفضله العظيم ، ولكن أقول لك يا نفسي :  كل تلك الأشياء ليست مقاصد و لكنها وسائل لمقصد أعظم ، وهو شكر الله تعالى على نعماه ، و استعمال نعمته في الوجوه التي ترضيه عني يا نفسي ، والمسارعة إلى نيل الكمالات التي تكونين بها يا نفسي صورة ربانية ، سخر الله لها ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ، ولا أحب يا نفسي أن تكوني بهيما بترك فضائل الإنسانية ، وانغماسك في الشهوات البهيمية ؛ فإنـك بذلك تكونين خنزيرا يحب النكاح ، أو ديكا أو كلبا يأكل الجيف ، أو ثعلبا يخدع الناس ، أو طاووسا نظيف الظاهر ، فتكون صورتك صورة إنسان ، وحقيقتك حقيقية بهيم ، وأعوذ بالله ممن يخلقه الله في أحسن تقويم ، ثم يرده في أسفل سافلين ، فتكون صورته صورة إنسان ،  وأعماله أعمال الشيطان أو البهيم .

يا نفسي : أركان الإسلام حصون الأمان وحلل الجمال ، وروح تحيا بها النفوس ، فحافظي على أركان الإسلام ،  وقد بينت لك يا نفسي ما يجب عليك في كتاب  ( النور المبين ) و بينت لك أمراضك وعلاجك في كتاب ( معارج المقربين ) ، وبينت لك مناهج الحق في كتابي ( أصول الأصول ) و ( شراب الأرواح ) ، فاتركي يا نفسي لذة فانية تنتج عذابا باقيا ، والله يوفقك يا نفسي لما به نيل سعادتي وسلامتي من الشرك ، فإنك أعدى عدوى ، وأضر علي من إبليس ، أعانني الله على جهادك الأكبر حتى تسلمي معي لله رب العالمين ، و تنيبي معي إلى الله سبحانه وتعالى ، إنه مجيب الدعاء .

مذاكرة للأقربين :

أي إخوتي وأبنائي وأرحامي ، إني يسرني سروركم ويحزنني حزنكم ، أجد في نفسي هذا الوجد بمجرد العلم بداعي كل نوع ، قبل شهود مسببه ، فكيف بشهود ذلك ؟  ما ذلك إلا لأن الروح السـارية في تلك الأجسام المختلفة ، هي متصلة وإن تباعدت الأجسـام ، والاتصال الروحاني لا يستلزم اتصال الأشباح .  مثال ذلك ما يراه الإنسان في نومه بأخيه ، فيحصل ما يراه من الخيرات وغيرها ، وارتسام الصور في المرآة من غير اتصال جسم المرآة بجسم المصور ، فكأني أنا وأنتم  – وإن تعددت الأجسام –  كنفس واحدة ، يتألم أحدنا بألم الآخر ، ويفرح بفرحه ، فأنا يا إخواني يسرني ويفرحني أن تكونوا مجملين بالعافية ، فائزين بنيل الخير الحقيقي ، الذي به يدوم لي بكم الفرح و الهناء في الدنيا والآخـرة ، وطريق هذا الخير الحقيقي محصور فيما أمر الله تعالى به و رسوله صلى الله عليه وسلم  ،  وقد قررت لكم ذلك في كتاب ( النور المبين )  عند قولي : بالإسلام نيل السعادتين ، فكونوا يا إخوتي وأولادي وعشيرتي ، أن كل لذة ينالها المرء بمعصية الله هي عذاب أليم في الدنيـا والآخرة ، و كل حظ يناله الإنسان بمعصية الله هو شقاء في الدنيا والآخرة ،  و ليست لذة تفنى وتوجب العذاب الأليم بلذة يتلذذ بها إنسان عاقل ، وكيف يكون ذلك من إنسان يعتقد أنه مسئول أمام الله عن كل صغيرة و كبيرة ؟ .

ثقوا – يا إخوتي – بمعونة الله ما دمتم محافظين على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و بوسعة أرزاقكم ، وبالعزة من الله لكم ، وبالغنى عن شرار الخلق ، وبالتمكين في الأرض بالحق ، ما دمتم تعملون بكتاب الله ، و تجاهدون أنفسكم في ذات الله ، بل أبشروا برضوان الله   الأكبر ، وبالنعيم الأبدي في الفردوس الأعلى ، لأنكم – يا إخواني – باتباعكم للسنة وعملكم بالكتاب ، تكونون أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، قال الله تعالى : )   لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ    حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (  سورة الأحـزاب آية (21) ،  ومتى أشبهتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كنتم من أهل معية رسول الله صلى الله عليه وسلم  ،  ونحن في القرن الرابع عشر من هجرته -عليه الصلاة والسلام – بل و يجملكم الله تعالى بالصفات التي اشتاق إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بقوله في الحديث الطويل برواية الإمام مالك بن أنس t :  ( وا شوقاه لإخواني ….. ) .

يا أولادي : احفظوا الله يحفظكم ، احفظوا الله تجدوه أمامكم ، كونوا مع الله تروا الله معكم ، يا أبنائي : يقول الله تعالى : )  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا   بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ   رَهِينٌ (  سورة الطور آية (21)  ، فأبغضوا المعاصي يا أبنائي ، لأن الله حرمها وتوعد عليها بالنار ، و أن المعاصي في ذاتها تنفر منها النفوس الكريمة ، ولأنها تهدم مجدا أسسه أئمة الهدى من آبائنا العلماء العاملين ، ولأن المعصية تذهب وجاهة الإنسان و منزلته العالية بين الناس و تجعله محتقرا ذليلا ، و لأن المعصية تسبب العداوة بين الناس و الخصومات و تسبب الأمراض في الأبـدان ، و أن المعصية توجب الخزي والندم في الدنيا والعقوبة يوم القيامة ، فاتركوا يا أولادي المعصية ، فإن لذة تؤدي إلى كل تلك البلايا الأولى الفرار منها ، ولو كان في تركها آلام عاجلة .

يا أبنائي : صلة الأرحام تطيل الأعمار ، وترضي الرحمن ، وتكثر الأنصار ،  وتجعل الرجل سيدا عظيما في عشيرته ، وهي من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وصلة الرحم صلة للرحيم ، هذا فضلا عما يشعر به المرء المسلم من الشفقة والرحمة والعاطفة على أقاربه ، فلو لم تكن صلة الرحم شرعا وعقلا ، لكانت فطرة و سجية ، و قاطع الرحم كأنه يقول : أنا لست إنسانا و لكني وحش ، لأن الإنسان  – ولو كان ابن زنا –  يعطف على أبناء أمه وأقاربها ويتعصب لها.

يا أبنائي : أكرموا جيرانكم يدم لكم الصفاء والهناء وتزيد نعمكم ، لأن إكرام الجار يرضي الله تعالى ، و يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، ويجعل لك جارك خادما يطيعك ، يلبيك إن ناديته ، و يسرك إن قابلته ، فإن أنت لم تكرمه كان كالهم الملازم و الغريم المطالب ، ولا غنى لك عنه ، و العاقل لا يجعل له سبعا وحشا مفترسا مطلقا من القيود قريبا من بابه ، وإن عجزت عن إكرامه وتأليفه فتب إلى الله واسأله المعونة ، وافرض أن جارك بعيدا عنك فلا تَذْكره إلا بخير ، وانس إساءته يهده الله  ، أو يريحك منه .

 يا أبنائي : احترسوا من الناس بسوء الظن ، ولا تظهروا سوء الظن لعباد الله ، ولكن عليكم بمداراتهم ، فحسنوا نواياكم في قلوبكم ، وصونوا أعراضكم في بيوتكم ، وأموالكم في خزنكم ، حتى إذا ظفرتم بواحد من أهل الأسرار فجربوه  واختبروه ، ثم كاشفوه بقدر معلوم و أنتم على حيطة منه ، فإذا وجدتم رجلا أمينا يمكنه أن يحفظ مالكم ويعمل فيه لينتفع و تنتفعوا ، فأعطوه بقدر معلوم مع الحيطة منه .

أما الأعراض يا أبنائي فإن الله تعالى حكم فيها فقال تعالى : )  قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ   ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ   وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ  يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ   زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ  وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ     آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ  أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ   أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ    الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء   وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا  إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  (  سورة النور آيات (30 ،31)  ، والعمل بكتاب الله به الفوز برضوان الله ، وبه السعادة في الدنيا والآخرة ، والجاهل عدو نفسه ، فكيف يكون صديقا لغيره ؟  .

 

تعلموا يا أبنائي العلم تكن لكم الدنيا والآخرة ، فإن كان آباؤكم من أئمة الهدى حفظتم ذكرهـم ، وأبقيتم صورهم مرسومة على صفحات القلوب  وإن كانت أعيانهم في القبور ، وحفظتم تراب آبائكم ومجدهم ، وصرتم كالجوهرة النفيسة المستخرجة من كنوز أنفس الجواهر ، يعظمكم الناس لنسبكم ، ويجلونكم لعلمكم .

العلم يا أبنائي – حقيقة – صعب المرتقى ، ولكنه كرسي من جلس عليه ساد في الدنيا ،  وكان في مقعد صدق عند مليك مقتدر يوم القيامة ، أوصيكم يا أبنائي بأن يحب كل واحد منكم لأخيه ما يحب لنفسه ، وخيركم من بدأ بأخيه فيما يحب ثم بنفسه ، قال الله تعالى – مثنيا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  وليست بينهم أرحام يتواصلون بها ، وإنما هي أخـوة الإسـلام  : )   وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ  يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً   مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  (  سورة الحشر آية (9) .

فيجب عليكم يا أبنائي أن تتشبهوا بالكرام قياما بأخوة الإسلام ، وأخوة الأرحام ، يا أبنائي ، أعطوا حب قلوبكم للأخ التقي الأمين الموالي ،  واجعـلوا مزيده بالدعاء الصالح  والبشاشة في وجهه ، و المسارعة إلى خيره ، وأعطوا طلاقة الوجه و حلاوة اللفظ لمن تخشون شره ، أوتخافون جهالته ليكفيكم الله شروره ، فَسَعُوا الناس كلهم بأخلاقكم ، حتى يكونوا لكم ألسنة خير .

 

يا أبنائي ، المؤمن عظيم معظم عند الناس ما لم يعمل معصية ، فإن وقع في معصية خفية أغضب الله عليه ، وأعوذ بالله – يا أولادي – من غضب الله ، ومن اختفى من الناس ليعمل معصية كان من المنافقين ، لأنه من أقبح صفات المنافقين ، قال الله تعالى : ) يَسْتَخْفُونَ  مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ   مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ  (  سورة النساء آية (108) ، ومن عمل معصية أمام الناس ، وأثار عليه لئام الناس ، فيذل بعد العز ، ويستوجب غضب الله وسخط الناس .

فيا أبنائي أعاذكم الله من المعصية ، إذا دعتكم النفس الخبيثة إلى ما يغضب الله ، فضعوا قدر لذاتكم في كفة الميزان ، وغضب الله وسخط الناس والعذاب يوم القيامة في الكفة الثانية ، ثم اختاروا لأنفسكم .  أنا على يقين أن ابني الذي آمن بيوم الحساب وصدق القرآن وأحب أن يشابه والده ، يغضب إذا خطرت المعصية على قلبه ، فضلا عن أن يهم بها ، أسأل الله أن يعيذني وذريتي وأهلي من الشيطان الرجيم ، ويجعلني ممن قال الله تعالى فيهم : )   ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ   تُحْبَرُونَ (  سورة الزخرف آية (70)  ،  وقال تعالى فيهم :  )  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا  بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ  رَهِينٌ (  سورة الطور آية (21) .

اعتقدوا يا أبنائي أن أبناء الصالحين وأولاد العلماء ، تكـون الصغيرة منهم كبيرة ، والكبيرة منهم كفر ، لأنهم محل نظر العامة ؛ فقد يقتدي بهم الجهلاء لاعتقادهم أنهم أبناء الصالحين ، ولو كانوا على معصية ، وتنكر عليهم العلماء،  فيكونوا بلاء على الجاهلين لاقتدائهم بهم في معصية الله ، وبلاء على العلماء لاشتغالهم بالرد عليهم والإنكار ، وذلك كله لأنهم أبناء الصالحين ، ومن لم يشبه أباه ظلم أمه ورماها بالزنا ، ووصم نفسه بأنه ابن زنا ، أعيذكم بالله يا أبنائي من الشيطان الرجيم ، وأعيذ ذريتكم من الشيطان الرجيم .

احفظوا – يا أبنائي – أرحامكم ، وصلوهم وإن قطعوكم ، وأحسنوا إليهم وإن أساءوا إليكم ؛ فإن الصلة واجبة عليكم بحكم الله وبسنة رسول الله لأنهم أرحامكم ، لا لأنهم أحسنوا إليكم ، فهم وإن أساءوا لا تسقط حقوقهم عنكم ، لأنكم – يا أبنائي – لو أنكم قطعتم أرحامكم بسبب إساءتهم إليكم تكونون حكمتم بغير ما أنزل الله  )  وَمَن  لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (  سورة المائدة آية (45) .  صلوا أرحامكم صلة لله و رسوله ، فإن الذي لا يصل من أرحامه إلا من أحسن إليه ليس بواصل ولكنه مكافيء ، وإنما الواصل لرحمه  – بـل  والقائم بما فرضه الله عليه –  من وصل أرحامه لله تعالى ولو قطعوه ، وأحسن إليهم وإن أساءوا إليه ، غير ناظر إلى عملهم ، فإن نظر إلى عملهم و حكم عليهم بما حكموا به عليه ، كان من الأخسرين أعمالا .

يا أبنائي ، إن النبي صلى الله عليه وسلم  رغبنا في الإحسان إلى من أساء إلينا من الأباعد ، وفي صلة من قطعنا منهم ، وفي إكرام جارنا الغريب ولو أهاننا ، وجعل ذلك من مقامات الإحسان ، وجعل من فعل ذلك من أعبد الناس ، فكيف يكون الحال في الجار القريب ؟

 

يا أبنائي ، كل من تشبه بقوم ألحق بهم ، وصار منهم أو معهم ، فأقرأوا – يا أبنائي – سير أئمة الهدى ، وذاكروا طرائق المتقين ، وجاهدوا أنفسكم أن تتشبهوا بهم تمام التشبه .  يا أبنائي ، إذا نزعت الرحمة من قلب مسلم لأقاربه ، هل تكون في قلبه رحمة لأجنبي ؟  .  يا أبنائي : إن من نزع الله الرحمة من قلبه إنه لشقي .  يا أبنائي ، إن الرجل تكون له الزوجة ، والزوجة تبغض أقارب الرجل لأنهم يشاركونها في نعمته ، وهم يبغضونها لأنها استقلت بنعمة قريبهم وتصرفت في ماله ، إلا من حفظ الله ، و المرأة ألصق بقلب الرجل ، فقد تخلو المرأة بالرجل وترميهم بالبهتان ، فيقوم الرجل فيقطع أرحامه ، ويحارب أقاربه و يؤذي من أمره الله بالإحسان إليهم ، فتكون المرأة في مثل هذا أشر من الشيطان وأضر من النار ، وإذا كان الرجل لشهوته البهيمية يقدم المرأة الأجنبية على أرحام له أمر الله بصلتهم ، يكون كالبهيم بل أقل .

يا أبنائي : اتقوا الله في جيرانكم ، غضوا أبصاركم عن عوراتهم ، شاركوهم فيما أنعم الله عليكم ، فإنهم يبصرون و يسمعون ، فاستديموا نعم الله عليكم بقليل تبذلونه لهم من نعمة الله عليكم ، يكون لكم مزيدا في الدنيا ، ورضوانا من الله في الآخرة . لا تجعل جارك يرى شيئا في بيتك إلا و تشاركه فيه ، و إذا بلغ بك الحرص مبلغا جعلك تكره أن تشارك جارك فيما أنعم الله به عليك ، فأخف ذلك عن جارك وعن أبنائه ، فإن الجار كالقريب يطمع في جاره ، ويرجو منه ما لا يرجوه من غيره ، حتى إذا شم جارك دخان قـدرك فأعطـه منه . اعلموا – يا أبنائي – إن نظرة إلى زوجة الجار أو بنته بشهوة عمدا من الكبائر التي توبق ، لأن له حقوقا كحقوق القرابة ، وكشف ستر الله عن الجار من الموبقات ، فاتقوا الله في جيرانكم ، فإن لهم عليكم حقوقا ، التساهل في حق منها موجب لغضب الله تعالى ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن نقوم بحقوقهم ثم نتفضل عليهم .

نتائج الطمع فى الدنيا :

أبنائي ، إياكم أن يحب أحدكم نفسه فيطمع في قليل يفنى ، ويحرم كثيرا يدوم ؛ فإن أحدكم إذا أحب نفسه ، فطمع في الدنيا و نافس فيها إخوته ، يفتح على نفسه أبواب شر :

 الأول : بغض أقاربه الذين هم أولى الناس به ، ومتى كره أقاربه  قرب أهل الجهالة من شياطين الإنس الذين يعينون على قطيعة الأرحام ، وأحبهم واستعملهم في إساءة أقاربه ، فينفق ماله في غضب الله على شياطين الإنس ، وفي إساءة أقاربه .

الثاني :  يبغضه عقلاء الناس ؛ لأنه بمعاداته لأقاربه يعتقدون فيه الجهالة ومخالفة السنـة  و معصية الله ، وييئسون منه ، لأنه يصير عندهم لا خير فيه .

الثالث : يفرق الجماعة ؛ فإن كل واحد من أقاربه له شيعة يشايعونه ، وأحباب ينصرونه ، فإذا أحب الرجل نفسه ابتلي بعداوة تلك الشيع المختلفة ، فكثر همه وقلت راحته ، و اشتغل عن الله و اشتدت الخصومة عليه ، فبذل ما في يده من المال في خلاص نفسه ، وأذية أقـاربه ، فكان حبه لنفسه سببا في زوال النعمة و فقدان اللذة ، وحرمان الراحة .

فيا أبنائي ، الأخ خير من مال كثير ، وإيثار الأخ على المال سبب السعادة الكبرى  والخير الحقيقي ، لأنك إذا آثرت أخاك على نفسك بالمال ، أو بالرياسة أو بالجاه ، صيرت أخاك لك كمملوك لك مطيع ، وصرت عزيزا عظيما كثير المال ، عظيم الجاه منشرح الصدر ، آمنا على نفسك .

يا أبنائي ، الجاهل حقا من يبغض أخاه لأجل المال أو الجاه ، وأجهل منه من يسعى في أذية أخيه لينال مالا أو جاها ، ومن عمل ذلك أضاع الجاه و المال من نفسه و من أخيه ، وأنت يا ولدي إذا كان لك أخ غني وذو جاه فأنت الغني ذو الجاه ،  فإن مال أخيك مالك وجاه أخيك جاهك ، و الواجب عليك أن تسارع في زيادة مال أخيك وتأييد جاهه ، فإنك شريكه في كل شيء ، إلا إذا عاداك لشيطان الهوى و الحظ ، لعمل لا تحسن عاقبته .

أعوذ بالله من طمع يزيل الخير ، ومن حسد يوقع في نار جهنم ، وإني  – والله –  ليسرني أن يكون جاري الغريب في نعمة وسيادة ، فإني أكون في نعمة وسيادة ، ما دام جاري سيدا منعما عليه ، فكيف بأخي أو عمي أو خالي أو ابن أخي أو أحد أقاربي أو ابني أو ابن عمي ؟!

 

يا أبنائي ، الله أعلم حيث يجعل نعمته ، كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته ، قال الله تعالى : )  وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ  إِن   يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَـلاَ رَآدَّ لِفَضْلِـهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ   وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  (  سورة يونس آية (107) ،  فإذا أنعم الله على واحد منكم بنعمة و سعة في رزقه ، أو سيادة في قومه ، أوحكمة ، أو جمع له تلك النعم ، فاعتقدوا أن ذلك فضل من الله عليكم جميعا ، واجتهدوا جميعا أن تعظموا من أنعم الله عليه وأن تعضدوه ، فإن ذلك يكون تعظيما لله ، ومزيد فضل لكم جميعا .  وعلى من أنعم الله عليه أن يعتقد أنه إنما أقامه الله مقام كل أفراد العائلة ، و رزقهم جميعا في ذاته ، فعليه أن يجعل نفسه كواحد من أفراد العائلة ، يحب لصغيرهم ما يحبه لنفسه ، ويحب لكبيرهم ما يحبه لنفسه ، حتى يكون خادما لهم ، شكرا لله على نعمته عليه ؛ فيكون بذلك في نعمة الله ومزيد من فضله العظيم ، ومزيد من حبه له سبحانه و مواجهاته سبحانه الربانية ، فتكون النعمة عليه معراجا للقرب من حضرة القدس الأعلى ، ويكرم الله أولاده بعده إكراما له ، قال تعالى : )  وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ   وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا  أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ  (  سورة الكهف آية (82)  . فانظر- يا بني – كيف أكرم الله الأبناء إكراما لوالدهم ، فأرسل لهم رسولا من أولي العزم  ، ونبيا أو وليا من كمل الأولياء ، يرفعان الجدار ، فاحرص – يا ولدي – أن تنال إكرام الله في حياتك ، و إكرام الله لأولادك بعد مماتك إكراما لك .

ياولدى ، ورث أبناءك أخلاقك المحمدية وعقيدتك الحقة ، ومعاملتك الجميلة وعبادتك لله الصحيحة التى تشكر بها ربك سبحانه ، ورثهم الرحمة على الأرحام والرأفة بالأيتام ، والإحسان إلى الجيران ، ورثهم حسن التوكل على الله ، والثقةبما فى يد الله ، وحسن الظن بالله ، ورثهم الإحسان إلى من أساء إليهم ، والعفو عمن ظلمهم والصلة لمن قطعهم .

يا ولدي : هذه وصيتي التي أسألك  – بحقوق أبوتي عليك –  أن تحافظ عليها لتكون معي – إن شاء الله تعالى – يوم القيامة ، إذا تفضل الله علينا بمغفرته وعفوه في دار النعيم .

  يا بني ، لا تغضب وإن أغضبك غيرك ؛ فإنك إذا غضبت جهلت من أنت ، فإذا جهلت من أنت عملت أعمال الشياطين ، وفعلت أفعال الخاسرين الهالكين ، فإذا أغضبك غيرك ولم تغضب ودبرت بعقلك ورويتك ، وجعلت الناس أنصارا لك على من أغضبك ، وكان الله تعالى معك لأنك تخلقت بخلق من أخلاقه سبحانه ، لأنه سبحانه وتعالى حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه ، وصبور وغفور وتواب وعفو ، ومن كان الله يا بني معه ، هل تعلم نفس ما يتفضل به عليه سبحانه من الخير الحقيقي ، وما يمنحه سبحانه من الفضل العظيم .

 

يا بني : مداراة الناس بالفكر والتدبير والضمير لا باليد واللسان ، وما ترك من الحماقة شيئا من قال لعدوه : إني أكرهك ، أو : أنت عدوي ، فإنه يسلط على نفسه شيطانا كان في حصون الحفظ منه لولا تلك الكلمة ، يقول الله تعالى :  )  وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لا   السَّيِّئَةُ  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ  وَلِيٌّ حَمِيمٌ (  سورة فصلت آية (34) .

  لا تحزن قلب زوجة لك ولا خادم ولا ولد ولا دابة ،  إلا في مقام أدب  على ذنب موجب ،  وفي غير ذلك انصح نصيحة رحيم عطوف حكيم ،   والله تعالى يعينني وإياكم – يا أقاربي وأولادي – على ما به ننال رضاه الأكبر ،  من العقيدة و العبادة      والعمل  والحال والأخلاق ، ويجعلنا من العاملين بالسنة والكتاب ، والمجددين لمناهج رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وممن يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر .

نتـائج ما تقـدم

تقرر بالبرهان أن الإسلام دين ووطن ونسب .

النتيجة الأولى : الإسلام دين :

حيث أن الإسلام دين يجب أن نعمل به عمل المؤمن الكامل التصديق ،  الذي يتيقن أن العمل به سعادة في الدنيا ، وتخفيف عند الموت بالبشائر التي تتوالى على المسلم عند قبض روحه ، وراحة في القبر بما تشهده النفس بعد مفارقة الجسم مما أعده لها ربها سبحانه وتعالى ، و للجسم في النشأة الآخرة ، ولا يخفى أن للنفس بعد مفارقتها للجسم في هذا الكون اتصالا نسبيا بالجسم ، كاتصال الشمس وهي في السماء الرابعة بقاع البئر العميق وقت السمت ( أي عندما تكون الشمس في وسط السماء ) .

 فكما أن الشمس ترتسم في الماء الذي في قاع البئر العميق وتؤثر وتنوره وتجعله منيرا ، وتزيل منه العفونات والأبخرة الفاسدة ؛ فكذلك النفس إذا كانت في عالم الملكوت اتصلت بالجسم فأكسبته إشراقا ،  و حفظه الله بهذا الإشراق في حصن منيع ، كما ترى ذلك محسوسا في الأماكن التي يدفن فيها أهل التقوى و الصلاح من العلماء العاملين ، الذين نفعوا العامة بعلومهم و عملهم  ؛   فإن الله يكرمهم فيجعل أماكن قبورهم محل تنزل رحمته ، وعناية لعباده بزيارتهم ، والاعتبار بهم ، والتشبه بهم في أعمالهم ، ونيل النعيم المقيم يوم القيامة ، وذلك لأن العامل بأحكام الإسلام المحافظ على أركانه ، وعده الله بالنعيم الأبدي ، والفوز العظيم في دار رضوانه وبساتين فردوسه  ؛  فيكون المؤمن العامل بوصايا الإسلام و شرائعه سعيدا  في الدنيا لما شرح الله صدره له من العمل في الدنيا لله تعالى ، فيكون غنيا بالله عن شرار الخلق ، فرحا مستبشرا عند الموت ، مستريحا آمنا في قبره ، منعما مجملا بأكمل المشتهيات و أشهى الملاذ يوم القيامة .

وتارك العمل بوصايا الإسلام  ذليل في الدنيا ؛ لأنه بتركه العمل بالقرآن  والسنة صار عبدا لشهوته وحظه ، وعبدا لغير الله في أسفل طبقات الذل وأدنى مهاوي الخزي ، ويكون عند الموت  – و العياذ بالله تعالى –  في أشد الألم ،  لأنه يجتمع عليه ألمان ؛ ألم سكرات الموت ، وألم الندم على ما فرط في جنب الله ، الذي ينتج العذاب الأليم بعد الموت ، فيتمنى الإنسان عند سكرات الموت أنه كان ترابا ولم يخالف السنة قبل يوم القيامة ، لأنه لا يمكنه أن يرجع إلى الدنيا فيعمل صالحا ، أسأل الله تعالى أن يعيذني وأهلي وإخواني من مخالفة السنة ، ومن معصية الله تعالى .

النتيجة الثانية : الإسلام وطن :

ظهر للعاقل أن الإسلام وطن ، ولما كان  الإسلام وطنا لكل مسلم ، فالواجب على كل مسلم بذل النفس والنفيس في حفظ هذا الوطن العزيز ، والذود عنه بكل ما في الوسع ، حتى يكون وطننا العزيز أغلى عندنا من أنفسنا ، ومن آبائنا ومن الدنيا ،  ومن أولادنا وأموالنا وتجارتنا وزراعتنا ، حتى تظهر جمالاته الحقيقية علنا ، وخيراته الجميلة جلية ، وفوائده الحقيقية مشهودة ، و كذلك نعتني بوطننا العزيز وبحفظه و العمل له ،  و السهر والتعب في اختراع ما به رفعة شأنه ، وإعلاء كلمته ، وقوة سلطانه ، وثروة أهله ،  وخير بنيه ، بالعلم والعمل ، لا بالتمني والأمل ، وبذلك يكون كل فرد من أهل وطننا العزيز عزيزا غنيا شريفا كريما ، إماما متبوعا إن لم يكن أميرا أو وزيرا أوقائدا .

كل ذلك يكون ببذل ما في الوسع لإعزاز وطننا وجلب الخير له ، ودفع عدوه عنه ، والغيرة عليه والعصبية له ، حتى يكون كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور هذا الوطن العزيز ، يحفظه من عدوه ، ويجلب الخير لإخوته أهل الوطن ، وكل واحد من المسلمين في أي أرض كان ، وعلى أي حال كان ، و في أي شأن كان ، يجعل مهمته العظمى وغايته القصوى حفظ ثغره الذي هو عليه ، ولو أهمل الواقفون على الثغور فإن هذا الوطن العزيز  – الذي هو الإسلام –  محاط بعناية الله ومعونته ، قال الله تعالى :  )   إِنّـَا  نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ   (  سورة الحجر آية (9)  ،  وقال تعالى :  )   يَا أَيُّهَا الَّذِين  آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  (  سورة محمد آية (7)  ،  وقال تعالى : )  وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ  الْمُؤْمِنِينَ  (  سورة الروم آية (47)  ، وقال الله تعالى : )  أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ    الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي   مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا   عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (  سورة المجادلة آية (22)  ، وقال تعالى : )إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ( آخر سورة النحل ،  وقال صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ) .

إن هذا الوطن العزيز  – الذي هو الإسلام –  كان الواقف على جميع ثغوره سيد خلق الله وإمام رسل الله ، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم  منفردا ليس معه إلا الله ،  فأيده الله ونصره .  و هكذا لو أن واحدا منفردا من المسلمين قام محافظا على ثغره ، و لو أهمل جميع من على الثغور ، فإن الله تعالى ينصره ويحمي به بقية الثغور ، ويمده بالملائكة  والمؤمنين من ثغور الإسلام ، فإذا تهاون إخوانك فاشدد لئلا يدخل العدو من قبلك .

 

بالمحافظة على وطننا العزيز ، وببذل أنفسنا وأموالنا في الذود عنه ، و بالمسارعة في العمل له ، نصبح و من في الأرض جميعا إما عبيدا لنا ، أو أتباعا أهل ذمة ، أو إخوانا لنا يعملون لوطننا العزيز كما نعمل نحن لهم ، و بذلك يمنحنا الله العزة الحقيقية التي تلمس بالجوارح ، وتشعر بها القلوب ، فيشهد المسلم العالم كله يدينون له ذلا و صغارا ، إذلالا لأنفسهم وإعزازا لنا وإكبارا ، أو يدينون بديننا الحق فيكونون للمسلمين إخوانا ، سر الحكمة التي يقصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بقوله : ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حـُمر النَّعم ) .

نيل المجد بالاقتداء بسلفنا الصالح :

فيا إخوتي المؤمنين ، باقتدائكم بسلفنا الصالح ورجوعكم إلى ما كانوا عليه ، و اتخاذ الإسلام هو الوطن العزيز الذي يفدى بالأنفس والأموال ، تفتح لنا يا إخوتى كنوز الأرض بالعلوم والمخترعات ، وتفتح لنا مدائن الأرض بالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ، وتنشرح صدورنا بما يجدده الله لنا ،  ويفيضه علينا في كل نفس من الخير و الفضل العظـيم ، و بما نناله من الخير على يد أبنائنا وجيراننا وأهل بلدنا المسلمين ، الذين يبذل كل واحد منهم ما في وسعه ليدخل السرور على قلب أخيه ،  كما قال تعالى : )  وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ (  سورة المائدة آية (2)  .   وبذلك يكون كل مسلم  – و هو في كون الفساد و دار الفناء –  كأنه في الجنة  ، لانشراح صدره و تيسير أمره ، أو عمله بما يرضي ربه عنه ، و كفى بذلك يا إخوتى سعادة و عزا في الدنيا ، مع أن هذه اللذة و النعمة في الدنيا بالنسبة لملاذ الآخرة و نعيمها كآلام المرض في جانب ملاذ العافية ، و هناك فوق ذلك ملاذ و نعم و خيرات لا يمكن أن تتصورها العقول ، قال الله تعالى : )   فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء  بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ   (  سورة السجدة آية (17)  ، و ليس بإنسان  – بل و لا حيوان أعجمي –  من يجعل له وطنا آخر غير الإسلام يتعصب له و يدافع عنه ، و يقوم عاملا بالباطل بعد علمه حق العلم أنه بمحافظته عل وطنه العزيز  – الذي هو الإسلام –  يكون ملـكـا   – بكسر اللام –  عزيزا في الدنيا  ، وملكا  – بفتح اللام –  مقربا ، متنعما بمشاهد  القدس الأعلى يوم القـيامة .  هذا ، ومتى قام عامل بالباطل و نجح في عمله ؟  أو متى قام مجتمع من الناس يعملون عملهم و لم يكن الله معهم و نجحوا في عملهم ، فإنهم  – ولو نالوا ما يقصدون من حظوظ عاجلة وملاذ فانية –  لا تدوم لهم إلا ريثما يفارقونها إلى الهاوية بالموت ، أو تفارقهم قبل الموت ، فيرجعون إلى الذل والهوان  )  وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ   وَأَبْقَى  (  سـورة طـه آيـة (127)  ، قال تعالى : )  يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ  سَلِيمٍ  (  سورة الشعراء آيات ( 88 ، 89)  .

فيا إخواتى المسلمين ، ليس بينكم و بين المجد الذي كان لأسلافنا – رضي الله عنهم – إلا كما بينهم وبينكم ، من أنهم اتخذوا الإسلام وطنا فعملوا له وحفظوه ، و دفعوا عنه أعداءه ، وجلبوا له كل الخيرات ، وأنتم اتخذتم أرضا تسكنونها وطنا ، و تركتم الإسلام وعملتم للأرض ، فالتفت الله عن الذين لم يتخذوا الإسلام وطنا ، فجاء أعداؤهم وملكوا الأرض منهـم ، وأذلوهم في قعر بيوتهم ، وما أذل الله قوما بعد أن أعزهم إلا بترك ما به كان عزهم ، قال الله تعالى : )  إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ  وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن   وَالٍ  (  سورة الرعد آية (11)  .

فيا إخواتى المسلمين ، الأمر سهل ، والله قريب مجيب ، تواب غفور ، فهلموا بنا نتوب إلى الله تعالى ونندم ، و نعاهد الله تعالى  – فيما بيننا وبينه سبحانه –  على أن نتشبه بسلفنا الصالح ، ونجاهد أنفسنا على الاقتداء بهم ، ونقوم بإخلاص لله رب العالمين ، في تجديد سنن نبينا صلى الله عليه وسلم  ، والعمل بكتاب الله تعالى ، ونجعل الحق سبحانه هو الحكم العدل ، أمره فوق شهوتنا وحظنا ولذتنا وأملنا ، ونعرف الخلق بالحق ، لا نعرف الحق بالخلق .

مبالغة الجهلاء في مدح أعداء الله :

إن بعضنا- من جهالته – بلغ به الجهل إلى أن بالغ في مدح أعداء الله و أعدائنا ، حتى رفعهم إلى أن جعلهم خلفاء ربنا ، و أن الله يحبهم و يبغض المؤمنين ، و قد تغالى غيرهم من المسلمين فجعلوا قوما يعتقدون أن الله لامس امرأة فحملت منه ، و وضعت ولدا هو ابن الله  – عقيدة تبين أن معتقدها ليس له عقل يزن به ، و لا فكر يفكر به ، و لا قوة إدراك يدرك بها –  جعلوهم أئمة يهتدون بهم  – مع قلة عقولهم –  و قادة يقتدون بهم  – مع ضعف مداركهم –  و جعلوهم رجال الرحمة و مبعث الخير ، وهم لا يسمعون ولا يعقلون .  ولو أنهم كانوا يسمعون لسمعوا الأدلة الناصعة على تنزيه الله عن الولد والوالد ،  وتقديسه عن الشبيه والنظير . ولو أنهم كانوا يعقلون لما اعتقدوا تلك العقيدة التي لا يعتقدها حيوان ، لأن الحيوان الأعجم لا يعتقد أن حيوانا مثله في الشكل أو في العمل ابن إنسان ، ولو تفوق عليه في الطرق التي يجلب بها الخير لنفسه ،  ويدفع بها الشر عن نفسه ، فإذا كان الحيـوان الأعجم لا يعتقد أن حيوانا مثله ابن إنسان يجب أن ينقاد له كما ينقاد لأبيه  –  لأن أباه ملك الحيوان  – فكيف يعتقد الإنسان العاقل أن الله العلي العظيم يطأ امرأة يأتي منها بولد يكون هو الرب أوابن الرب ؟! ولو تأول أهل الجهالة في الحمل والولادة . فإن كل تأويل تأولوه يخجل وجه حيوان أعجم إذا تصوره ، و يتبرأ منه القرد والنسناس ، فضلا عن الإنسان .  فقوم لم يجعل الله لهم نورا يميزون به بين جمال الروح الإنساني ، و جمال الجسم الحيواني ، وافتخروا باستخدام المادة  وتنويعها كما يعمل العنكبوت في المادة لتحصيل قوته ، وكما يعمل النحل في تنويع المادة لنفعه ، فهم آلات لخدمة المادة للنفع بها ، فهل يكون أمثال الحيوانات أئمة للمتقين ؟ أوقادة للحكماء الذين كبرت نفوسهم و كملت عقولهم ؟ أوخلفاء ربنا من أئمة الهدى والمتقين ؟  اللهم رحماك بالمسلمين .

يا إخوتي المسلمين ، وطنكم العزيز الإسلام ،  و قد أمرنا بالعمل في الدنيا للدفع عنه و المحافظة عليه ، و إعزاز جانبه ،  قال تعالى : )  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ   تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ  لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ  اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ    (   سورة الأنفـال آيـة (60)  ، و قال تعالى : )  وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ   وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ (  سورة التوبة آية (105) .

بشرى للمسلمين :

وإني أبشر إخوتي المسلمين أننا في زمان ، لو أننا عملنا بجزء من عشرة أجزاء من وصايا الإسلام ، منحنا الله العناية الإلهية ، وأذل أعدائنا وجعل لنا السلطان ، و وفقنا للعمل بكل وصايا الإسلام ، فكنا  – ونحن في القرن الرابع عشر –  كأننا في القرن الأول ، لقوله تعالى : )  إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (  سورة النحل آية (128)  ، في أي زمان كانوا و في أي مكان ، ولا نزال في معية رسول الله ما دمنا نعمل بكتاب الله  وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وذلك لأن الله تعالى يقول : )  إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (  , ولا تحصل التقوى و الإحسان اللذان ينتجان الشرف العظيم الذي يكون الله تعالى به معنا , إلا بعد أن نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , بالتجمل بالصفات التي أثنى بها على أهل معيته r في آخر الفتح , قال سبحانه : )  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ    (  سورة الفتح آية (29)  , و كل مسلم يحب أن يكون مع رسول الله r , ما عليه إلا أن يجاهد نفسه وأن يتشبه بأصحابه الكرام , ثم يبشر نفسه بأنه ممن اشتاق إليهم رسول الله r , ولا يشتاق رسول الله r إلا إلى أحبابه في قوله : ( وا شوقاه إلى إخواني الذين لم يأتوا بعد ……  ) .

حقا أقول : إن المسلم في هذا الزمان يمكنه – بتوفيق الله وبعنايته – أن يكون مع رسول الله r , ويكون الله معه , ويكون محبوبا لرسول الله r , محبوبا لله , بلفتة قلبه , وحركة جسمه , وإن مسلما يوضع له المعراج ليسمو إلى جبروت القدس الأعلى , تهوى به شهوته إلى أسفل سافلين الحطمة والذل لغير المسلم , والإسلام برئ منه , لأنه يعمل بغير شرائع القرآن , قال الله تعالى : )   وَمَن  يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ  سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ  مَصِيرًا   (   سورة النسـاء آيـة (115)  , ومن يؤثر حظا فانيا يتوهم أن يناله – قد لا يناله ولو ناله – على سعادة أبدية ونعيم مقيم ورضوان من الله أكبر , هذا في نظر الحكماء أضل من الأنعام , وأشقى من الشياطين , و أدنى من الجماد , وإن كانت صورته صورة الإنسان . ومن كان يترك الكمالات النفسانية و التجمل بالفضائل القرآنية والتحلي بحلل الرجال العاملين لله , يترك كل ذلك للذة مطعم يكون بعد رجيعا , أومنكح يئول إلى أن يكون كالمرحاض للبول , فقد أبدل النعيم الدائم بالشقاء الأبدي , والخير الحقيقي بالضرر الذي لا يزول .

الإسلام هو الوطن ، و العمل له به عز في الدنيا و سعادة في الآخرة ، و على ذلك فالمسلم في جزائر المحيط الأطلنطي يدافع عن وطنه الإسلام ، و عن أهل وطنه المسلمين بنفسه و ماله و هم في جبال القوقاز ، يبذل ماله إن لم يتمكن من بذل نفسه لهم ، و يقوم حاثا أهل وطنه في بلده أن يدافعوا عن مواطنهم في الإسلام و عن وطنهم الإسلام ، بأنفسهم       و أموالهم ، فإذا انفصل المسلمون و هم في رأس الرجاء الصالح عن المسلمين و هم في جبال القوقاز ، كان ذلك كفصل الرجل عن الرأس ، و بفصل الرِّجل عن الرأس لا يخفى ما يحصل من ضعف الجسد ، و عطلة آلته و أدواته .

بتوجهك بقلبك يلقى الله العداوة فى قلوب أعدائك :

  ولقائل أن يقول : كيف أدافع عن وطني وأهل وطني ، وقد حال بيني وبينهم العدو الساعي في محو القرآن والسنة بالضلال والكفر ؟

أقول لك يا أخي : إن عجزت عن العمل بيدك فاعمل بلسانك ؛ فإن العمل باللسان مفتاح العمل باليد ، وإن عجزت عن العمل بلسانك فاعمل بقلبك ، بأن توجه قلبك إلى ربك سبحانه ، وتسأله أن يحفظ وطنك وأهل وطنك ، وأن يجدد المجد لك و لأهل وطنك ، بالعمل لوطنك العزيز ، الذي هو الإسلام ، فإنك بذلك لا تحرم يا أخي من عناية الله بك  ومعونته لك ، وإكراما منه يجمع عليك إخوتك الصادقين ، الذي يمكنك أن تعمل معهم بلسانك ، ثم يكون الله معكم فتعملون بأيديكم ، قال الله تعالى : )   إِنَّ اللَّهَ   يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (  سورة الحج آية (38) ، وقال تعالى : )  اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ (  سورة البقرة آية (257)  ، فإذا عملت بقلبك وبلسانك و جمع الله عليك إخوتك المخلصين ، وهم القليلون في كل زمان ، خصوصا عند قوة سلطان أعداء الله ، فإنكم – يا أخي – بتوجهكم إلى الله سبحانه وتعالى بوجوهكم رغبة نيل رضاه الأكبر ، يلقي العداوة والبغضاء بين أعدائكم ويشغلهم بأنفسهم عنكم ، حتى يوقد نار الحرب بينهم ، فيمحقهم ببعضهم محقا ، كل ذلك إكراما من الله لبقيته الباقية من حزبه .

ادعُ نفسك أولا :

كن على ثقة أيها الأخ أن أكبر الجهاد جهادك نفسك في ذات الله ، فلا تشتغل بجهاد غيرك إلا بعد أن تجاهد نفسك جهادا يجعلها سهلة القيادة ، متلذذة بالآلام في طاعة الله ، تفـرح بإعلاء كلمة الله تعالى ، وتجديد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أدى ذلك إلى تحمل ما لايطاق من المصاعب ، وارتكاب ما لا يتحمل من الشدائد ؛ فإن أنست من نفسك بتلك الصفات ، فتحققت أنه لا غرض لها في مال أوجاه ، ولا في منصب ، ولا لذة في الدنيـا ولا شهوة في الآخرة ، فكن واثقا أن الله معك وناصرك ، واحذر أن تدعي أن نفسك تزكت من غير برهان يطمئن به قلبك ؛ فإن للنفوس أمراضا خفية تخفى على أحذق حكماء العارفيـن ، ومن ادعى هذا المقام بلا حجة لا يكون مع الله ، و من لم يكن مع الله كيف يكون الله معه ؟   قال الله تعالى : )  وَمَا  النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( سـورة  آل عمران آية (126)  ، اجتهد يا أخي أن تجعل همتك أولا في دعوة نفسك ، حتى تستجيب لله رب العالمين ، بحال يرضيك رضاء حقيقيا ؛ فإنك أعلم بنفسك من غيرك ، وإن كنت تجهل أمراضها ، فإن حظوظها التي تبعثها على العمل لا تخفى على العامل ،  والله سبحانه و تعالى ينصر من ينصره ، قال سبحانه : )  وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ  بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( سورة الحديد آية (25) .

طريق الدعوة إلى تجديد السنة :

فأما طريق الدعوة إلى تجديد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإعلان كلمة الله ، في حال ما إذا كان للمسلمين سلطان يقيم حدود الله تعالى ، ويضرب على يد أهل الفساد ، فهي مهمة الحكماء ، فما على العالم إلا أن يجتهد في العمل لله تعالى ، بالزهد في الدنيا و فيما في أيدي الناس ، إلا ما لا بد منه بالعمل ، أو بمساعدة من إخوان الصفا والوفا ، حتى ينال بزهده في الدنيا محبة الله تعالى ، وينال بزهده ما في أيدي الناس محبة الناس ، فإذا أحبه الله جعل قلبه فقيها يتلقى عن ربه تعالى ، وأمده بروح القدس ، وألقى عليه محبة منه ، وإذا أحبه الناس سمعوا منه وعملوا لعمله ؛ فإذا سمعوا منه وعملوا بعمله يجب عليه أن يحافظ على الواجبات والسنن ونوافل الخير في العبادات والمعاملة والأخلاق ، وإذا سمعوا منه يجب عليه أن لا يسمعهم إلا ما به كمال يقين قلوبهم بالدار الآخرة ، و بأيام الله ، وبمعرفة الله ، حتى تكون قلوبهم خاشعة وأبدانهم لينة ، فيكون بذلك جدد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالحكمة والموعظة ، ولم يحتج إلى سوط السلطان .

 وبهذا لا يلبث إلا أن يكون سلطان المسلمين تابعا له مقتديا بهديه ، فإذا مكنه الله من قلبه يجب عليه أن يديم مراقبة الله ، وملاحظة عظمته ، ومشاهدة الدار الآخرة ، وما عليه الدنيا من الفناء والزوال ، وليكن حكيما طبيبا رفيقا معه ، حتى لا تدعوه الرغبة فيه إلى التساهل في سنة رسول الله ، و لا الغيرة على السنة إلى تنفيره ، و كما دعا نفسه في بدايته ، ودعا إخوته المسلمين  بعد إن كملت نفسه ، يدعو سلطان المسلمين إن – سخره الله له – كدعوته لنفسه ، وأن يقرأ في كل يوم وليلة  – ليكون في خلوته أشد خوفا من الله وأعظم مراقبة له سبحانه –  من القرآن بعض آيات في الإنذار و التخويف لنفسه في خلوته ، ولا يرائي الناس ظاهرا ، فإنه بذلك يدوم له إقبال الله تعالى ونصره له وعنايته ،  وكفى هذا العالم العامل شرفا أنه صار صورة كاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم  في عصره ، ينظر الله إلى عباده المسلمين من قـلبه ، ويكرم الله عباده لأجله ،و يلهـمه الله الخير و الرشاد ، والهدى والنور ، لينفع الله به عباده المسلمين ،  واعلم    – أيها الأخ الموفق –  أن هذا المقام مقام علي لا ينبغي أن يتعرض له إلا الذي تكشفـت له الدنيا عن حقيقتها ، وتحقق من زوالها ، وعلم قدر العقوبة على عمل المعاصي ، وتجلت له الدار الآخرة ، وشهد ما فيها من النعيم المقيم ، والملاذ الحقيقية لمن جاهد نفسه في ذات  الله ، وشهد فيها مهاوي جهنم ، وما فيها من أليم العذاب ، وشديد العقاب ، وسوء   المنقلب ، والعياذ بالله تعالى ، ففر من الدنيا لنجاة نفسه ، وفر من معصية الله ومخالفة أمره للفوز بالنعيم الأبدي ، والنجاة من عذاب الله الأليم ، وفر من نفسه إلى الله لتدوم مواجهته لقدس الجبروت الأعلى ، فإذا رقى تلك المراقي وتجمل بتلك الحلل ، وذاق من صافي هـذا الطهور ، كان هو الشمس المشرقة للقلوب ، والنور المضيء للأرواح ونجاة عباد الله من غضب الله .

  فإذا أنست من نفسك  – يا أخي –  بتلك المعاني ، فكن سيء الظن بها ولو في عمل القربات ، حسن الظن بالله تعالى ، واتهم نفسك وهي في عمل القربات ، أكثر مما يتهم غيرك نفسه وهو في عمل الكبائر ، فإن زلتك  – يا أخي –  زلة للمسلمين ، و استحسانك نفسك ورضاك عنها غفلة عن شهود رب العالمين ، ونسيان لفضل الله العظيم عليك ، والأدب الحقيقي أن ترى كل ما تقوم به من أعمال الخير بتوفيق الله و معونته ، فتجتهد أن يكون خالصا لله ، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله ، فما وقع منك من اللمم أومن المعاصي فانسبه لنفسك بما فيها من الرعونات والنزوع إلى الشهوات ، و استغفر الله ، إن الله غفور رحيم .

دعاة أهل التكفير والتشريك والتبديع :

واعلم أن بعض العلماء قد يكون داعيا إلى الخير قبل أن تزكو نفسه ، فيكون سببا في تفرقة جماعة المسلمين بعد اجتماعهم ، لأنه إما أن يخرج على الأمراء و يقبح أعمالهم أمام العامة و يعتقد أنه يعمل لله ، وهو إنما يعمل للشيطان ، لأنه بعمله هذا قد يفرق الجماعة ، فيضرب بعضهم وجه بعض ، والله تعالى يقول : )  وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ  رِيحُكُمْ    (  سورة الأنفال آية (46)  ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( أمير غشوم خير من فتنة تدوم ) ومثل هذا من شر الدعاة .

ومنهم من يقول منكرا على أعمال  – إن لم تكن من أعمال البر فإنها قد تكون داعية إليه –  ويدعي أنها بدع مضلة ، و لعن فاعلها ، حتى يوقع العامة في عداوة بعضهم ولعن بعضهم ، ويظن  – لَقِسُ النفس –  أنه يجاهد في محو البدعة ، والحقيقة أنه يجاهد ، ولكن في تفريق الجماعة و اختلاف الأمة ، ولأن يترك العامة على كل فعل بدعة من البدع التي تعين على عمل الواجب ، خير من فتح باب الشر عليهم ، و وقوع المسلمين في عداوة بعضهم بعضا .

علامة هؤلاء :

 ومثل هؤلاء أضر على المسلمين من تفشي الأمراض ، وعلامة هؤلاء أن يبتدئوا بالدعوة إلى السنة ، و لو لم تكن أنفسهم قد تجملت بأخلاق الدعاة ، فإذا لم يقبل منهم السامع لهم قاموا فحكموا بكفره ، ورموه بالجحود و بالضلال ، وشنعوا عليه في كل مجالسهم ، فـإذا قام عالم وبين وجه خطئهم ، أعجبوا برأيهم ، وقاموا فكتبوا الرسائل في الرد عليه ، ورأوا أنفسهم أكبر من أن يخطئوا ، وأعظم أن يقبلوا النصيحة من غيرهم ، ونظروا في أنفسهم الكمال المطلق ، الذي يوجب على كل موجود أن يتبعهم ويخضع لهم ، ولو كانوا على ضلال بين من تنفير الناس ووقوع العداوة بينهم .

أئمة الهدى يرون الحق أكبر منهم :

وهذا سيد أئمة الهدى سيدنا أبو بكر الصديق t  ، كان إذا حكم حكما و جاء عمر وقال : الحكم كذا ، أخذ بحكم عمر و ترك حكم نفسه ، كذلك كان أمير المؤمنين سيدنا عمر t  يحكم ، ويحكم سيدنا علي بن أبي طالب t  بغير ما حكم به ، فيعمل بحكم سيدنـا علي ، لأنهم يرون الحق أكبر منهم ، وهكذا سنة الهداة الراشدين المرشدين ، إذا حكم أحدهم بحكم في مسألة ، وظهر له بطلانه أعلن ذلك لخاصة الناس وعامتهم ، ونصر الحق على نفسه ، والحق أحق أن يتبع ، وتلك شمائل العلماء الربانيين ، والحكماء الروحانيين ، الذين عرفوا أنفسهم فعرفوا ربهم سبحانه وتعالى ، و فروا من أنفسهم ومن كل من سواها وما سواها إلى الحق سبحانه .

وقد بينت في ( معارج المقربين ) طرق معرفة الإخوان واختيارهم وأوصافهم ،  ومن وفقه الله أعانه على عمل ما يحبه ويرضاه ، أسأله العناية والتوفيق والعفو و الغفران والقبول والرضوان والحفظ والسلامة والعافية في الأمر كله .

النتيجة الثالثة : الإسلام نسب :

تقرر بما أقمناه من الأدلة أن الإسلام هو النسب الحقيقي الذي يجمع أفراد المسلمين ، ويجعلهم جميعا يدا واحدة على جلب الخير لكل واحد منهم ، وجلب الخير للجميع ، ودفع الضر عن كل واحد منهم ، ودفع الضر عن الجميع ، فكل فرد من أفراد المسلمين يعمل للجميع ،  والجميع يعمل لكل فرد ، و التعاون الحقيقي والتبازل و التناصر و التحابب ، بل و حسن المعاشرة ، وجمال المجالسة ، وإيثار الغير على النفس ، كل تلك المعاني لا تتحقق بمعناها الأكمل إلا بين الأقارب في أخوة الإسلام ، الذين اتصل نسبهم بالإسلام إلى الله و رسوله ، فكانوا إخوة في الله ورسوله ، وأقارب في الله ورسوله ، وأحبابا في الله ورسوله ، وبذلك يكون البذل والنصرة ، والإيثار والحب و بذل النفس والمال في جهاد العدو الذي يسعى في ضرر المسلمين لله تعالى وفي الله ، خالصا من كل شوب من هوى أوحظ من حظوظ الدنيا ، قال الله تعالى : ) قُلْ إِن   كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ  وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ  تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي  الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (  سورة التوبة آية (24)   .

هذه الآية صريحة في أن كل من يدعي الإسلام ثم يؤثر حب آبائه وأبنائه و أزواجه و عشيرته  – أي عشرائه من أقاربه –  والأموال التي كسبها والتجارة التي يرجو ربحها والمساكن ، على محبة الله ورسوله ، والقيام بما أمر به و الرغبة فيما عنده ، فهو فاسق متعد حدود الله تعالى .

النسـب نسبان :

قال الله تعالى : )   يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ   شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ  عَلِيمٌ خَبِيرٌ (  سـورة الحجـرات آيـة (13) ، هذه الآية الشريفة تدلنا على أن النسب نسبان : نسب إلى الآباء ونسب إلى الله ورسوله . فالنسب إلى الآباء من السنة ، وهو أن يعرف الرجل أهل قرابة أمه و أبيه ،     ويعرف أولوا الأرحام بعضهم ، فيصل كل واحد رحمه إطاعة لأمر الله ، وعملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فإن الرجل قد يجهل أقاربه ، حتى قد يعامل أقرب الناس إليه نسبا معاملة الأجنبي ، ولو أنه عرف قرابته منه لتساهل معه وأكرمه كرامة القريب للقريب .  ونسب الله تعالى هو العمل بكتابه سبحانه و بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  ، بعد العلم الذي يوجب الخشية من الله تعالى ، والمسلم بذلك أخو المسلم نسبا حقيقيا فوق نسب الآباء و الأمهات ، الذي لا يقصد منه إلا التعارف للصلة والبر الواجبين على المسلم بحكم الشرع .

ولم يبق إلا النسب الإسلامي بعد قوله صلى الله عليه وسلم : ( أدخل الإسلام بلالاﹰ في نسبي ،        وأخرج الكفر أبا لهب من نسبي ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( سلمان منا أهل البيت )  وقول الله سبحانه تعالى : )  وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ   ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (  سورة هود آية (45)  ، أراد سيدنا نوح – عليه السلام – أنه من أهله ،  يعني من زوجته ومن نفسه ، فرد عليه سبحانه وتعالى معاتبا ومؤدبا مقررا أن هذا ليس هو النسب ، وإنما النسب حقيقة هو التقوى ، لقوله سبحانه و تعالى :  )  قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ  مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُـكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  (  سورة هود آية (46) ، أدب الله سيدنا نوحا – عليه الصلاة والسلام – من أجل أنه جعل ابنه الفاسق من أهله ، بما فهمه من قوله سبحانه وتعالى :  ) قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ  (  سورة هود آية (40)   ، فكان مراد الله  – وهو أعلم بمراده –  أن أهل سيدنا نوح هم الذين آمنوا به وصدقوه ، وهم المتحققون بالنسب الديني ولو لم يكونوا من ظهره ، وفهم سيدنا نوح إطلاق اللفظ ، وأن الابن من الصلب هو من أهله ولو كان فاسقا ، فأدبه الله تعالى وقال له  ) إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  (  ، أي ليس من نسبك الروحاني ، وإن فرض أنه منسوب إليه ،  و في قوله تعالى : ) إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  (  رواية أخرى هي ( إنه عمل – بفتح اللام ) على أن التقدير أنه فعل فعلا غير صالح أخرجه عن النسب الروحاني الذي به يكون من أهلك .

وقال الله تعالى لخليله عليه الصلاة والسلام : )  إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ   يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  (  سورة البقرة آية (124) .    فكان النسب الحقيقي  – الذي به الإكرام من الله تعالى والكرامة عند الله –  هو نسب التقوى ، ولا شك إذاﹰ أن النسب للآباء والأمهات لا يعد نسبا حقيقيا ، إلا بقدر ما حكم الشرع الشريف للنسب به من الصلة والبر ، إذاﹰ فالإسلام هو النسب حقا الذي به الإيثار و البذل والحب ، ومن رأى نسبا غيره وقال : إني مسلم فهو فاسق .

ومن هذا ينتج أن نجعل الفخر لأهل التقوى ، وأن لا نلتفت إلى الفخر بالآباء والأجداد والأمهات ، ونترك النعرة بالنسب الجاهلي ، ونجعل نسبنا حقا الذي نصله بأرواحنا و أموالنا وأنفسنا هو الإسلام ، بل و نتعصب له بأجلى مظاهر التعصب ، ندفع عدوه عنه بأنفسنا وأموالنا ، ويكون كل مسلم تقي أحب إلينا من أنفسنا و أموالنا و آبائنا وأبنائنا ، حبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

أهل المدينة المنورة :

وبذلك يكون كل مسلم  – أين كان وكيف كان –  لكل مسلم كاليد لليد و العين للعين والأذن للأذن ، بل ويكون كل مسلم للمجتمع الإسلامي كاليد للجسم ، وكالعين للجسم وكالأذن للجسم ، ويكون المجتمع الإسلامي لكل فرد من أفراد المسلمين كمجموع الجسم للعين ، وبذلك يكون المجتمع الإسلامي هو أهل المدينة المنورة بأكمل معاني أهل المدينة ، بل ويكون كل فرد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالمعية الحقيقية ، و المجتمع الإسلامي كلهم أهل معية رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، لأنهم لا يعملون عملا إلا إذا سألوه صلى الله عليه وسلم  عن سنته ، من ورثته المحافظين على آثاره ، فيكون المجيب على السؤال أوالمفتي للمستفتي هو في الحقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وإن كان المتكلم بلسانه هو شخص آخر ، لأنه أجاب بصريح ما كان يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم  في مثل هذا الموضوع ، فيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المسلمين بمدلول قوله تعالى :  )  وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ (  سورة الحجرات آية (7) ، ويكون الله مع المجتمع الإسلامي ، ومع كل فرد من أفراده ، ذلك لأن المسلم لا يعمل العمل إلا إذا بينه له القرآن بأن أوجبه عليه أورغبه فيه أو أباحه له ، فيكون في عمله كأنه يتلقى أحكام أعماله عن ربه ، و بذلك فإنك ترى العلماء الراسخين في العلم إذا سألت أحدهم :  لمﹶ فعلت هذا الفعل ؟  يقول : أمرني القرآن ، ولمﹶ لمﹾ تفعل هذا الفعل ؟  يقول : نهاني القرآن ، و هذا يفسر قوله صلى الله عليه وسلم  ( آل القرآن آل الله ) ومعنى ذلك  – والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم  –  أن المقربين إلى الله قربا تجعل لهم قرابة نسبية ، لا يعملون إلا بالقرآن ، ولا يتركون إلا بالقرآن ، ومن كانوا كذلك فهم آل الله تعالى .

 

هذا النسب يجعل لكل مسلم عزة من الله تعالى تقطع نياط قلوب أعدائه ، و غني بالله تعالى يحفظه الله به من الاحتياج لشرار خلقه ، وقوة من الله تعالى حسا و معنى ، أما حساﹰ فإنه يشهد نفسه بين أبناء بررة وهم الذين أقل منه في العمر من إخوته المسلمين ، وبين أولياء رحماء وهم المساوون له في السن ، وبين آباء متصفين بأعظم عواطف الأبوة و هم الكبار عنه في السن ، ومن كان كذلك كان غنيا في فقره ، عزيزا في غربته ، قويا في ضعفه ، مهيبا بين أعدائه ، لما يعلمه أعداؤه من أنصاره وأوليائه ، و كأن الشاعر العربي عنى المسلمين بقوله :

إذا بلـغ الفطـام لنا وليـد         تـخر له أعادينـا سـجودا

هكذا كان سلفنا الصالح مذ كان الإسلام نسبهم ، ومن قربه الإسلام قريبهم ، ومن أبعده الإسلام عدوهم ، لا فرق بين الشريف الهاشمي ، والوضيع العجمي ، عملا بقوله تعالى : )  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (  سورة الحجرات آية (13) ، و كل من كان هو أكرم عند الله من غيره فهو أكرم من باب أولى عندنا ، ولو كان غلاما عجميا .