الرئيسية / كتب اساسية / كتاب الاسلام نسب / الـبـاب الثانـي – الـتـعـصـب للـديـن

الـبـاب الثانـي – الـتـعـصـب للـديـن

الـبـاب الثانـي

الـتـعـصـب للـديـن

تعريف التعـصب :

التعصب مأخوذ من العصبة ، وهي إطناب المفاصل التي هي قوة للأعضاء، فالأخ المعين ، أوالأخ المساعد يسمى عصبة للأخ .

ولما كانت الفضيلة من كل شيء أوسطه ، وكان التعصب للدين المخرج عن كمالاته ومحاسنه باللغو المفرط رذيلة ، وهو الطرف الأعلى ، وكان الإهمال في التعصب في الدين المؤدي إلى تعدي حدود الله سبحانه وترك العمل بوصاياه – جلت قدرته – هو الطرف الأسفل ، وأرذل الرذائل ، وكان التعصب للدين بمعناه الحقيقي وهو العمل بوصاياه على علم ، و بذل النفس والمال لحفظه وإقامة حدوده ، والتجمل بآدابه وكمالاته ، والقيام بإظهار جماله وأنواره ، ودفع ما يشينه مما ليس منه ، وكبح الساعي في تغيير شيء منه ، ومحاربة العامل على تغييره ، وهوعين الفضيلة ، بل هو أفضل الفضائل ، وكان من الشرف أن يكون الإنسان متصفا بالتعصب للإسلام مفتخرا بذلك ، وهو الفخر حقا ولو أنكر عليه أهل الرذائل ، أو سعى في مضرته أهل المفاسد ، أوخاصمه أهل الجهالة والغواية ، ومن يرى أن التعصب للإسلام بهذا المعنى من الجهل أو الجمود ، فهو خفاش لا يرى الشمس ضحوة في النهار الصحو . إذا تقرر ذلك فكل عاقل حكيم يفتخر بأن ينسب إليه التعصب في الدين ، ويرى ذلك من أكمل نعم الله تعالى ، ويجاهر بأنه متعصب للدين ، ليقتدي به المؤهلون للتجمل بتلك الفضيلة الكاملة .

نتائج التعصب للدين :

ينتج من التعصب للدين خيرات لا تحصى ونعم لا تستقصى ، نقتصر منها في هذا المختصر على أربعة معان ، هن أمهات تلك الخيرات كلها :

أولها : سعادة الفرد في نفسه .

ثانيها : سعادة المجتمع .

ثالثها : العمل للخير العام .

رابعها : السعادة الأبدية في جوار رب العالمين  )  مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم  مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ   أُولَـئِكَ رَفِيقًا (  سورة النساء آية (69) .

 وإليك تفصيل ما أجملناه من المعاني الأربعة .

أولا : سعادة الفرد في نفسه :

إن الإنسان إذا تفضل الله عليه بأن جمله بفضيلة التعصب لدينه سبحانه ، ثم مالت نفسه إلى العلم بأصول الدين و فروعه ، و رغبة في فهم أسراره و حكمه ، و اشتاقت إلى مكاشفة أنواره ، و لانت جوارحه إلى العمل بأحكامه ، فكان متجملا بأجمل مكارم الأخلاق مسرعا إلى الخير ، متصفا بالرحمة و الشفقة ، و البر و الصلة ، و الصدق و الأمانة ،      و العطف على الفقراء ، و إيثار إخوته المؤمنين على نفسه فيما يلائم نفسه و هواه ، منافسا بما به كمالات نفسه ، و تجريدها من فطرها التي جبلت عليها ، و استبدال رذائلها البهيمية   و خبائثها الإبليسية ، بمعاني الصفات التي رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و دعا إليها كتاب الله تعالى ، مسارعا إلى فعل الأكمل منها ، و الأجمل من معانيها ، حتى يكون إنسانا وسطا روحانيا بكمالاته النفسانية ، ربانية بأخلاقه المحمدية، ظاهره يمثل كمالات السنة ، حتى يكون بدلا من أبدال الرسالة ، و مشكاة من الصور المحمدية ، و قلبه بيت عامر باليقين الحـق ، و الإخـلاص لذات الله تعالى ، و الحب في ذات الله تعـالى ، والرغبة و الرهبـة و التوكل و التفويض .  فيكون فردا جامعا للكمالات الروحانية و الملكوتية ، و للمحاسن الإنسانية الإسلامية ، فيضع الله له الحب في عوالم ملكوته ،  حتى تحن إليه الملائكة          و يشتـاق إليه الفردوس الأعلى ، و يلقي عليه محبة منه سبحانه ، فلا يراه إنسان  – بل و لا حيوان أو جن –  إلا أحبه ، و يكون إماما للمتقين ، معظما حتى عند العصاة و الكافرين ،   و من كانت هذه حاله و تلك صفاته يعيش في تلك الدار الدنيا راضيا مرضيا ، هاديا مهديا ، لا تفي العبارة بما أعده الله له في برزخه و يوم معاده ، معنى قوله سبحانه  )  فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء   بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  (  سورة السجدة آية (17) .

 

كل هذا الفضل العظيم نتيجة التعصب للدين المؤدي إلى القيام بحقوقه و العمل بوصاياه ، و قهر النفس على التمسك به ، و الغيرة على دفع الشبه عنه ، و مناوأة من يتساهل في إقامة حدوده ، أو من يسعى في إخفاء جمالاته ، و كم أعز الله بالتقوى ذليلا  ، و رفع بالغيرة على الدين وضيعا ، و أكرم بإحياء سنته مهينا ، و مكـن لمن بيـﳲن آياته في الأرض بالحق ، و عـز بالإيمان ذليلا ، هذا أمر بديهي لا يشك فيه إنسان .   و إنا لنرى أهل الشرور و الفسوق و الجحود يجلون التقي و تشعر قلوبهم بالهيبة له ،   و تشرح صدورهم إذا قابلوه ، أو دعا لهم ، و هو إنسان مثـلهم و يمكنهم أن يكونوا مثله ،   و لكن الله أعز بعزه من عمل بوصاياه ، و جمله بجماله .  هذا ما يناله الفرد في نفسه إذا تعصب لدينه ، التعصب الذي هو الفضيلة و الواجب شرعا .

و لعل جاهلا بلذة الحياة الحقيقية في الدنيا التي لا تطيب إلا بالتعاون ، و النعام الأبدي في الآخرة ، الذي لا ينال إلا بالتعصب الحقيقي للدين تعصبا يؤدي إلى محاربة النفس ،      و قهرها على عمل الأفضل و الأكمل من أحكام السنة و الكتاب ، لعل هذا الجاهل قد يسترذل التعصب للدين ، و يظنه من القبائح أو من قلة الأدب و الذوق ، جهلا منه بنتائج التهاون بالدين للمجتمع في الدنيا و الآخرة ، و يحسن له حظه المضر و هواه المضل ، أن الأفضل ترك التعصب للدين ، و التقاعد عن تلك النسبة حتى يكون الإنسان مدينيا مألوفا .   فأقول لهذا الغوي : إن جهالته بأسرار دينه و غفلته عن علم كمالاته و انقياده لنفسه و حظه و رؤيته ما عليه من يدعون الإسلام من التهاون بالدين أو من العمال التي يدعون أنها من الدين و ليست من الدين جعلت ذلك الغافل عن معارج رقيه و طرق سعادته هاويا في مهاوي الهلاك يقبح التعصب للدين ، و لو انه تفكر في أسرار دينه و فقه حكمة أحكامه ، و علم حقيقة الخير و السعادة ، لكان أول من يصبح مشهورا بين المجتمع الإسلامي بأنه متعصب لدينه .

كيف تتعصب للدين ؟

ليس التعصب للدين بالإنكار على الفرد المتهاون بحالة تنفر ، ولا بالتشنيع على المتساهلين بأساليب تبغضهم ، إنما التعصب للدين حقيقة أن تتعصب لدينك أولاﹰعلى نفسك لتجملها فتقوم عاملا بحقيقة أحكامه ، حتى يسهل عليك أن تعمل ما كان يصعب عليك ،  ثم تجاهد إخوانك كمجاهدتك لنفسك . فإذا أنست من نفسك ومن إخوانك العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجب عليكم أن تنبهوا قلوب إخوانكم إلى كمالات الدين بعملكم ابتغاء مرضاة الله ، و بقولكم الحكمة ، مع المحافظة على أكمل الأوصاف المرضية شرعا ، من الغيرة على الدين والأخلاق ، ومع الزهد فيما لا حاجة لكم إليه ، و طلب ما لا بد لكم منه من وجوهه الشرعية ، وبذل ما لا يضركم بذله لأهل الحاجة ، حتى تكونوا أئمة بعملكم وقولكم سر قوله تعالى : )   وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ  وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  ( سورة آل عمراة آية (104) ، ومعنى ذلك أن الذين يأمرون بالمعروف لا بد أن يكونوا على أكمل الأوصاف المرضية شرعا ، من الغيرة على الدين والعمل بالقلب والجوارح واللسان على طبق العلم .

فإذا تكون في المجتمع الإسلامي من تفضل الله عليهم بمواهب التعصب للدين ، أشرقت أنوارهم على جميع المجتمع فتكونت فيهم عصبية للدين ، لا يخافون الموت ولا يخشون الفوت ، يرون الحق أولى بهم من أنفسهم ، وأعز عليهم من أرواحهم ، وأنه الخير الحقيقي المقصود لذاته ، وكل خير تدعو إليه النفس لم يكن بالحق وللحق ، يرونه شرا وهلاكا ، عند ذلك ينزل الله السكينة عليهم ويثيبهم فتحا قريبا .

 قال تعالى : )  وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَ عَمِلُوا  الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ  الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ  لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ   وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي  شَيْئًا (  سورة النور آية (55) .

   بيـن الله تعالى بهذه الآية الشريفة أن جميع الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالجسد الواحد ، كل واحد منهم ككل عضو من الجسد ، لأنه أخبر سبحانه بما أعده للجميع من الاستخلاف في الأرض ، وتمكين الدين لهم ، فجعل هذا الفضل كالخير الذي يمنحه الوالد لأولاده الذين هم في رتبة واحدة من النسب ، بل هذا النسب الإلهي هو النسب حقا ، الذي به نيل الخير في الدنيا مجدا وعلوا في الأرض بالحق ، والفوز بفردوس الله الأعلى يوم القيامة ، وكفى بنسب الإسلام شرفا أن ننال به ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

 ولا بد لأعضاء الجسم من أعصاب تربطها ، كما أنه لا بد للنسب الإسلامي من عصبة تقوى بها الجامعة ، قوة يحفظ الله بها دينه ، ويقيم بها حدوده ، فالتعصب للإسلام كالأعصاب للجسد ، فلا تماسك للجسد إلا بالأعصاب ، كما لا حفظ للإسلام إلا بالتعصب له من مجتمعه الذي يمثل حقيقة الأخوة ، قال الله تعالى : )  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  (  سورة الحجرات آية (10) ، فبين الله لنا في تلك الآية الشريفة حقيقة النسب الإسلامي ، بأن جعل كل مسلم أخا لكل مسلم ، حتى جعل الجميع فروعا لأصل واحد ، متصلة تلك الفروع ببعضها والكل متصل بالأصل الواحد ، فجعل الأصل الذي هو والد الجميع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل كل مسلم من لدنه صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ابنا له صلى الله عليه وسلم  ، كما سنوضح ذلك في الآية الآتية ، ثم إنه أوجب على كل ولد بار حقا مقدسا لوالده ، وحقا مقدسا لكل أخ من إخوته ، وكلنا نعلم أن الإخاء يجعل كل فرد من المسلمين هوعين الآخر ، إلا أنه شخص آخر ، ومعنى ذلك أن كل فرد من المسلمين يفرح بما به يفرح أخوه ويتألم بما يؤلمه ، ومن لم يحس بهذا الوجدان فليس بمسلم حقا ، وإن ادعى ذلك ، فليس الإيمان دعوى ، وإلا فمتى يتألم عضو من الجسد ولا يتداعى له الجسد بالسهر والحمى ؟ فكل من ادعى الإسلام  وحرم هذا النسب الإلهي فدعواه باطلة .

 انظر إلى لطيف قوله تعالى : )  فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  (  فإن معنى هذا الإصلاح أن يقوم لإخوته المؤمنين بما به صفاء حالهم وصلاح ذات بينهم        وإصلاح شأنهم ببذل المال والنفس ، ثم أعقب ذلك بقوله : ) وَاتَّقُوا اللَّهَ  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  (، أي خافوا الله مراقبة لحقوقه التي أوجبها عليكم ، من الرحمة بكل مسلم والشفقة عليه ، لعلكم تفوزون برحمة الله تعالى ، بقدر ما قمتم به من الرحمة لإخوانكم المسلمين ، وقوله تعالى : ) لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  (  بمعنى لترحموا ، لأن الترجي لا يليق بالله تعالى ، وذلك لأن المترجى شاك ، أي متوقع حصول الأمر .

صلة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم  :

قال الله تعالى : )  النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ       (  سورة الأحزاب آية (6)  ، وفي رواية ) و هو أبوهم (  ، كاشفنا الله تعالى في هذه الآية مكاشفة ثبتت بها الحجة ووضحت بها المحجة ، لأننا نعلم أن الإنسان أولى بنفسه من والديه ، وكيف لا ؟ وهو يحس بآلام نفسه و لا يحس بها والداه الذين هم أولى به من الأجانب ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أولى به من نفسه التي هي أولى به من والديه ، فيجب علينا أن نسلم له تسليما لا تنازعنا فيه نفوسنا ، ولا تمنعنا عنه آلامنا ، ولتأكيد هذا النسب الشريف أخبر أن أزواجه أمهاتنا ، بيانا لأن هذا النسب ليس معنويا فقط ،  بل هو حسي أيضا ، فأوجب علينا رعاية آداب الأم معهن حسا ومعنى ، وزاد على ذلك فأمرنا أن لا نكلمهن إلا من وراء حجاب .

 

هذه الآية شراب طهور لأرواح المؤمنين ، بها تحصل وصلتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم . أنت تعلم أن الله تعالى سوى بين المؤمنين في هذا النسب ، حتى لا يفخر أبيض على أسود ، ولا هاشمي على تركي ، فإنا جميعا أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وإنما الكرامة بالتقوى ، وإن الشريف الهاشمي لو خالف هذا النسب فارق دين الإسلام و لا ينفعه نسبه الطيني ، وإن الرقيق النجي إذا اتصل بهذا النسب صار أكرم الخلق على الله تعالى ، وهذه هي العزة بعينها التي يجـﳲمل الله بها كل من عمل بهذا النسب ، قال تعالى : )  يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ   مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ  الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ  (  سورة المنافقون آية (8)  .

رفع الله هذا النسب الإلهي رفعة ، إذ تفضل على أهله فوصفهم بصفاته الإلهية ، وحقر النسب الطيني حسا ، إذا خالف الشريف الهاشمي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمعنى إذا أظهر الإسلام على جوارحه وأخفى الكفر بقلبه . فوصف المنتسبين المتجملين بهذا النسب بصفة العزة التي هي صفته تعالى ، ونفاها عن الذين ادعوا هذا النسب ؛ فأظهروه على جوارحهم وأخفوا الكفر في قلوبهم ، بجعلهم أذلاء ، ونفى العلم عنهم ، فإن معنى قوله تعالى : )  وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ( وصف المؤمنين بالعزة ، وأنهم يخرجون الأذلاء من المدينة لنفاقهم ، وأثبت الجهل لمن فارق هذا النسب بقلبه ، فمن تعصب لقرابته الطينية ، أوافتخر بشريف نسبه أوبمجد آبائه ولم يلتحق بهم  – بالتمسك بهذا النسب الإلهي –  فهو هالك ولا محالة ، ولا يثبت هذا النسب إلا لمن تشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم  عقيدة وعبادة وعلما وحالا ومعاملة ، وقام لإخوته المسلمين بما قام به لهم أبو بكر t ، وقام لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم  بما أوجبه الله عليه ، حتى ينتظم في عقد هذا النسب الإلهي .

قال الله تعالى : )  يَا أَيُّهَا  الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ  وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  يُجَاهِدُونَ فِي  سَبِيلِ اللّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء  وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(    سورة المائدة آية (54)  .

كلنا يعتقد أن الله تعالى أحاط علما بمن سبقت لهم الحسنى و بمن سبقت لهم السوءى ، ولكنه سبحانه وتعالى أخفى سر قدﹶره عن جميع خلقه ، فأظهر حكمه الشرعي الذي كلف به العالم أجمع وأخفى غيبه المكنون  – الذي تميزت فيه الحقائق –  عن جميع خلقه)  إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ  (  سورة الجن آية (27)  .   فهو سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين بهذا الخطاب إنذارا لضعاف الإيمان الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ،  ممن لم يذوقوا حلاوة هذا النسب المقدس ولم يكتب في قلوبهم الإيمان ولم يشرح سبحانه صدورهم للعمل بما أوجبه هذا النسب عليهم ، فأنذرهم أن المرتد منهم يجعل الله ردته خيرا للمؤمنين وشرا عليه ، فهي بشرى لنا ونقمة على ضعاف الإيمان ، وذلك أن الله سبحانه إذا قدر في أزله السوء لعبد أقامه فيما يكرهه سبحانه ، فتراه يجاهر بالشر إلا إذا أكره ، فإنه يخفي الشر ويظهر الخير خوفا من السيف ، وإظهار الخير لا ينفعه بشيء ، فإذا تمكن رجع إلى ما انعقد قلبه عليه من الكفر، وهذا أمر كان يحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه ، والله سبحانه وتعالى أرحم برسوله عليه- الصلاة والسلام – منه بنفسه ، فبشره بتلك البشرى ، أنه سبحانه يؤيده بأهل المحبة الإلهية من المتجملين بالنسب الروحاني .

وهذه الآية تطمئن بها قلوب المؤمنين وتنخلع منها قلوب المنافقين ، و أنت تعلم أن المنافقين كانوا يكرهون أن ينفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأنهم ليسوا متصلين بنسبهم ، والمتصل بالنسب الروحاني المحمدي متصف بقوله تعالى :  )  يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً  مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ     (  سورة الحشر آية (9) . هذه الآية الشريفة تدل على أن نسب الإسلام أقوى من نسب الأبوة ، لأن الإنسان إذا ضاق به الحال في بلد غربة هاجر منها إلى أخرى فيها والده أو ولده ، فإذا وصل إليها محتاجا ، لا يجد ما يسره لدى أقاربه ، ولكن المسلم إذا هاجر من أرض الأعداء إلى إخوانه المؤمنين يكون منشرح الصدر بهم ، و يكون له فوق ما هو لنفسه ، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى : ) يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ   (  ، ورجل يؤثرك على نفسه أقام الحجة على أنك أحب إليه من نفسه ، فتكون أحب إليه من والديه وأولاده ولا يتحقق هذا الحب والإيثارإلا بالنسب الإسلامي ، ومن آثرك على نفسه كيف لا يتعصب لك تعصبا ببذل ماله قبل مالك ودمه قبل دمك ؟ وإذا كان هذا تعصب المسلم للمسلم فكيف يكون تعصبه لدين الله تعالى ؟ وبالتعصب صار كل مسلم سيدا غنيا قويا .

ثانيا : سعادة المجتمع الإسلامي :

بدهي أن المجتمع  – و أعني به المجتمع الفاضل –  الذي يمثل الجسد الصحيح الكامل ، المتوسط في قواه الجسمانية والروحانية ، توسطا يجعل كل عضو يقوم بواجبه لبقية الأعضاء ، معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون كالجسد الواحد إذا مرض منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ([1])  وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ) ([2]) ، وسر قوله تعالى : )  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (  سورة الحجـرات   آيـة (10) ، هذا هو المجتمع الذي أشرح نتائج تعصبه للدين الإسلامي ، وليس كلامي في مجتمع لم تتوفر فيه تلك المعاني من المجتمعات الضالة أو الجاهلية أو المبدلة ، الذين شرع لهم غير شرع الله أو قادهم الحظ على غير طريق مستقيم أوعملوا على غير هدي الأئمة الراشدين والعلماء الراسخين ،  فإن تلك المجتمعات كلها ليست في نظر العلماء بمجتمع حقيقة ، ولكنها تشبه غيضة اجتمع فيها أنواع كثيرة من الوحوش استقل كل نوع منها بمناوأة الآخر ولم يخرجهم هذا الاجتماع عن حقيقة الحيوانية ولا عن أخلاق البهائم المهملة .

نتائج تعصب المجتمع للدين :

إذا اتضح مرادي لك – أيها الأخ – أبين لك النتائج الحسنة التي ينتجها تعصب المجتمع للدين الإسلامي ، يقول الله تعالى : )  وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (  سورة آل عمران آية (133) ،  وقال سبحانه وتعالى : )  وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ  عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  (  سورة المائدة آية (2)  ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل رجل من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام ، فإن تهاون إخوانك فاشدد لئلا يؤتى الإسلام من قـبـلك ) فالمجتمع الإسلامي إذا تعصب للإسلام التعصب الحقيقي بمعناه الحقيقي ، عمت الرحمة جميع الخلق من بني الإنسان ، وغيرهم من الحيوانات والنباتات ، بل والملائكة .

حقيقة التعصب للدين :

لعلك تعجب من كلامي هذا قائلا : كيف ينتج التعصب الرحمة ؟ وكيف تعم تلك الرحمة النباتات والحيوانات والملائكة ؟  وإني أعتقد أن التعصب عبارة عن غيرة تنتج عداوة فجرأة فسفكا للدماء ، فأجيبك : إنك فهمت غير الحقيقة ، وجهلت روح الإسلام .  التعصب للإسلام هو مطالبة النفس بالقيام بما أوجبه وقهرها على العمل به ، وإحياء أسراره وإعلاء كلمته ، وفي ذلك انتشار العدل والمساواة والرحمة بكل بني الإنسان ، لأن الـقرآن الكريم أمرنا بمحو الظلم والرذائل الأخلاقية، وحسن المعاملة لكل إنسان ، لا فرق بين المسلمين وأهل الذمة ممن قبلوا أن يكونوا في ذمة المسلمين وعهدهم من اليهود والنصارى ، أمرنا بأن ننزل الكبير كوالد ، والمساوي كأخ ، والصغير كولد ، فنعظم الكبير ونرحم الصغيربما يجب له ونعز المساوي ، ونؤثر الأخ على أنفسنا فيما هو من حظوظ الدنيا ، وننافس في كمالات أنفسنا ، لنحظى بالحظوة في دار النعيم في جوار ربنا سبحانه و تعالى .

ينال المجتمع بالتعصب العز ، الذي يكون به كل فرد ممتعا بنعيم الحياة الطيبة ،  حياة الضمير ، ولذة النفس الفاضلة ، فيكون الحق هو الحكم العدل ،  لا يذل الفرد لغير الحـق ، ولا يحكم عليه بالحق إلا نفسه ، ينتج التعصب في المجتمع الغنى الحقيقي عن ذل الفقر للغير ، والاحتياج إليه في الصناعة أوالتجارة أوالزراعة أوالإصلاح ، فيكون المجتمع الإسلامي المتعصب للإسلام كمصدر الرحمة العامة والغنى الحقيقي ، والخير والسعادة لكل بني الإنسان ، ومبعث أنوار الرشاد والإصلاح والهداية والفلاح لكل موجود ، ويكون الفرد من هذا المجتمع صورة الإنسان ، وكمالاته كمالات الروحانيين من الملائكة ، وأعماله أعمال الرسل الكرام لا يقهرهم قاهر ،  لأنه يقهر نفسه على الحق ويجاهدها في ذات الله مجاهدة تجعلها تشاهد أنوار ملكوت الله الأعلى، وتتلذذ بأعمال المقربين من الصديقين والشهداء والصالحين .

مزايا التعصب للدين :

بالتعصب للدين يقوى سلطان المسلمين فتكثر الفتوحات وتفتح الكنوز ويدخل الناس في الدين عندما تظهر أنواره وتباشر بشاشته القلوب ، وترى العيون معاملة المسلمين التي هي حقيقة الرحمة والعدالة والمساواة والنصفة من النفس للغير، ومن الوالد والولد للأجنبي ، فتنجذب قلوب العالم بعامل الرغبة والحب عندما تتضح لعقولهم أسرار الإسلام ، وتلوح لبصائرهم أنواره ، فيحيون الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة ، والمسلم المتعصب يفوز بخير الخيرين أوبهما ، والمتساهل يعاقب بشر الشرين ، والمسلم المتعصب يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  والملائكة والعلماء والأتقياء وأئمة المسلمين ، ويعز بين الناس، ويحيا ذكره بعد موته ، ويؤسس لمن بعده من قومه مجدا باقتداء المسلمين بعمله وقوله وحاله ، ويقوى به سلطان المسلمين ، فهو خير للمسلمين حيا وميتا ، وسعادة لأهله في الدنيا والآخرة .

التساهل في الدين وعواقبه :

المتساهل في دينه يبغضه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والملائكة والعلماء والأتقياء وأئمة المسلمين ، ويلحقه الذل والهوان بين الناس ، ويسوء ذكره بعد موته ، ويلبس مَن بعده من ذريته الخزي والخيبة ويضعف به سلطان المسلمين ، فهو شر حيا وميتا ، وشقاء لمن بعده من آله .

المتساهل بدينه مرض عضال بين جماعة المسلمين ، الأحرى بالمسلمين أن يطاردوه بأشد مما يطاردون به السيل الجارف ، والحريق المتلف ، والطاعون المهلك ، قال الله تعالى 🙂 نَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ  فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ  وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ  لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (  سورة المائدة آية (33) .

بالتساهل في الدين زال سلطان المسلمين وتبدلت محاسن الحق بقبائح الباطل ، وذل أهل العزة وعز أهل الذل ، وأصبح من يدين بعبادة الأحجار ، أومن يعبدون إنسانا ، أومن يعتقدون أن جسما صنعوه بأيديهم إله يعبد أوأن صورة صورها إنسان هي رب خالق ، أوأن إنسانا أكرمه الله بالمعجزة  – كما أكرم من قبله ومن بعده من الرسل بأكمل و أعظم مما أكرمه به – إله أوابن الإله ، ينظرون إلى الدين الحق بعين الازدراء ويقيمون الحجج الباطلة التي تلبس منتحلها الخزي وتحكم عليه أنه أقل من الجمادات ، لتجرده عن العقل الحيواني ، فضلا عن الإنساني .

كل ذلك من نتائج تساهل أدعياء الإسلام الكاذبين في دعواهم الإسلام ، لقولهم : إن التعصب للدين جمود وتقهقر ، فجروا على المجتمع فساد العقول بالخمر ، وفساد النسل بالزنا ، وفساد الأخلاق الفاضلة بالربا ، والفشل بترك التوكل على الله ، والتفرقة بالاعتماد على أنفسهم وحب الخير لها  والحرص على المال والجاه .

والمتساهل في الدين هو أشد أعداء المسلمين ، وألد خصومهم قبل الكفار المحاربين والأعداء المناوئين ، والله يحفظ الإسلام والمسلمين من كل كافر بقلبه مؤمن بلسانه ، ينطق بالكلمة ويعمل لإطفاء نور الحق ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، قال الله تعالى :  )  فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ  وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  يُجَاهِدُونَ فِي  سَبِيلِ اللّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ  (  سورة المائدة آية(54)  .

الفرق بين العصبية للإسلام والعصبية في الإسلام :

لعل جاهلا بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعترض عليﱠ  قائلا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال       ( لا عصبية في الإسلام )([3])  فاهماﹰ  – لضعف عقله –  أن مدلول كلامه صلى الله عليه وسلم  نفي التعصب مطلقا ، و هذا ما لا يقول به طفل من أطفال المسلمين ؛ فإن صريح لفظ الحديث الشريف بين لا يحتاج إلى توضيح ، و ذلك لأن مدلول ( لا عصبية في الإسلام ) معناه أن العصبية يجب أن تكون للإسلام ، لا في الإسلام ، فإن العصبية في الإسلام تفرقة لجماعة المسلمين  .  دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم  لرجل فارسي من الصحابة في غزوة من الغزوات عندما قال للمشرك : خذها و أنا الفتى الفارسي ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم  و قال له : ( هلا قلت : و أنا الفتى الأنصاري )  قال له ذلك- عليه الصلاة والسلام – و قد  رئي الغضب الشديد في وجهه الكريم مما جرى على لسان ذلك القائل بكلمته التي هي عين التفرقة ، و ما ينبغي لمسلم إلا أن تكون دعواه للإسلام و كل ما يدعو إلى الاتحاد و الوئام .

و هذا الحديث الشريف المتقدم أساس من أسس الدين القويم يجلي لنا الحقيقة ، و هي قوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم أخو المسلم )  أي أن الأنساب و الأحساب و العصبية للآبـاء و القبائـل محيت بالإسلام ، و صار التعصب للإسلام و الشرف بالإسلام ، و الإسلام هو النسب    و الحسب ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( كل نسب منقطع إلا نسبي )  فهذا الحديث الشريف الذي يظنه سخيف العقل حجة على ترك التعصب للدين ، نعم هو حجة ، و لكن عليه ، و برهان ، و لكن على بطلان دعواه ، لأنه نص ظاهر في وجوب التعصب بقوله : ( إلا نسبي ) فهو الذي يتعصب له تعصبا تقوى به كلمة الله و تحيى به سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، و لا يحسن التعصب للنسب الجسماني إلا إذا كان شرف هذا النسب بسبب الدين ، كتعصب المسلم لنسب مولانا الحسن أو الحسين ، أو تعصبه للأنصار أو الخلفاء الفاتحين فيكون تعصبا للدين .

اللهم فاشهد أني أشكرك على أن وفقتني وأعنتني على التعصب للدين ، وأسألك أن تمن علي بالصدق في التعصب للدين .

مضار ترك التعصب للدين :

إذا لم يكن المجتمع الإسلامي متعصبا للدين ، لأهملت حدوده وهتكت حرماته   وترك العمل بأوامره ، فيستوجب غضب الله وزائد مقته ، نعوذ بالله من ذلك .

لا شك أن مجتمع يناله سخط الله سبحانه و تعالى بترك التعصب لدينه ، يصبح كالبهائم الراتعة ، تؤكل و لا تأكل ، حتى يصير المجتمع الإنساني بأجمعه كغابة اجتمعت فيها أنواع الوحوش المفترسة و حيوانات أخرى صالحة لغذائها ، فيفترس القوي الضعيف حتى يمحق بعضهم بعضا ، كما يشاهد في المجتمع الإنساني في هذا العصر ؛ من المنافسة في إعداد العدة لسفك الدماء ، والتفنن في اختراع الآلات الجهنمية ، لا لمحو الظلم و الضلال ، بل للاستيلاء بالظلم والكبرياء على الأمم المستكينة الضعيفة ، كل هذا الظلم أنتجه ترك التعصب للإسلام ، وإهمال العمل بوصاياه .

مضى على المجتمع الإسلامي قرون طويلة  و هو رافل في حلل السعادة و الأمن    والأمان ، لا فرق بين المسلم و الذمي ، لأن المسلم متعصب لدينه الذي يأمره بالرحمة      والشفقة وحسن المعاملة و الخوف من ظلم عباد الله ، والنظر إلى جميع بني الإنسان بعين الرأفة والحنان و السعي في إرشادهم إلى سعادة دنياهم و آخرتهم ، حتى تساهل المسلمون في التعصب لدينهم و نافسوا في زهرة الحياة الدنيا ، وسلت سيوفهم و صار بأسهم بينهم شديدا على أنفسهم ، وكثر عددهم و ملوكهم وضعف يقينهم ونقصوا إيمانهم ، فذلوا بعد العز ، و ضعفوا بعد القوة ، واحتقروا بعد السيادة ، لأنهم بترك التعصب للدين تركهم الله و لم يكن معهم ، وكيف لا ؟  و مذ كانوا متعصبين لدين الله ، قليلا عددهم و عددهم ، كان الله معهم لتعصبهم لدينه ،  فما أعظم – ياأخى – ما تفضل به سبحانه و تعالى عليهم من العز و المجد والسيادة والسلطان في الدنيا ، و ما منحهم من حسن الأحدوثة بعد موتهم ، وما أخفاه لهم من قرة أعين يوم القيامة ، مما لا يمكن أن يصفه الواصفون ، من الرضوان الأكبر والنعيم المقيم .

 

سعادة المجتمع الإنساني :

هذا لأن التعصب للإسلام و بذل ما في الوسع للعمل بوصاياه سعادة عامة لجميع المجتمع الإنساني ، كيف لا ؟  و الإسلام إنما يعمل على عمارة القلوب بعواطف الرحمة و الحنان    و الرأفة و الشفقة ، و الحرص على كل ذي كبد رطبة ، وإيثار الغير بالخير ، و جهاد النفس على عمل الخير خالصا لوجه الله ، و المسارعة في جلب الخير لكل حي و دفع الضر عنه كائنا من كان ، مع استحضار أن كل موجود صنعة الله و أثر دال على عجائب قدرته  وغرائب حكمته ، فالمسلم يشاهد حكمة الحق وقدرته بعيون بصيرته ، ويلحظ معاني الآيات الدالة على وحدانيته و معاني أسمائه وصفاته بلطائف قلبه ، فله من جهة قلبه مشاهد روحانية تجعله مفطورا على جميل الأخلاق من العطف والرحمة والود واللطف والرغبة في نجـاة المجتمع ، بما تجمل به من القيام بواجب الشريعة الغراء ، لأنه خليفة الله المشار إليه في قوله جل شأنه :  )  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (  سورة البقرة آية (30)  .

فكل مسلم كامل خليفة في الأرض عن الرب جلت قدرته ، يتصرف فيها بقدر ما استرعاه الله تعالى ، تصرفا منطبقا تمام الانطباق على الأصول التي وضعها له سبحانه ،   و الأنوار التي تنبلج في قلبه من سر قوله تعالى :  )  وَاتَّقُواْ اللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَ اللّهُ بِكُـلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ( سورة البقرة آية (282) ، وقوله سبحانه وتعالى : )  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ( سورة الفتح آية (29) .

جمال المسلم ظاهرا :

أما جمال المسلم من حيث ظاهره فلين الجانب و خفض الجناح لإخوته المؤمنين     والنظر إلى ما هم عليه من خير الأعمال وجميل الصفات ليتشبه بهم وينافسهم فيها ،      وغض البصر عن عيوبهم التي ستروها عنه ، لأن الله تعالى أمره بترك التحسس و التجسس عن المسلمين([4]) مع كراهيته الشديدة – سبحانه – لمن يجهل الواجب عليه من المسلمين ، فيكشف ستر الله عن أخيه المسلم بنشره بين الناس عيوبه ، ويحب سبحانه حمل جميع أمور المسلمين على الأجمل منها ، حتى لا يخطر على قلبه الشر لأحد ، مع إخلاص النصيحة لجميع أفراد المسلمين عامتهم و خاصتهم ، وبذل الجهد في بيان جمال الإسلام لغير أهله قـولا وعملا ، حتى تتضح حقائقه وتنكشف ستائر الأوهام عن أصوله ، وتمتـزج بشاشتـه بالقلوب .

هذا ما عليه المسلم الحقيقي ظاهرا وباطنا ، ولا يشك عاقل أن تلك المعاني لو اجتمعت في أفراد لا يتجاوزون جمع القلة كان الله معهم ، ومن كان الله معه لا تدري نفس ما له من المجد و السعادة و السلطان في الدنيا ، والخير الحقيقي يوم القيامة .  و أي إنسان عاقل يتمثل تلك المعاني وتنكشف له حقيقة جمال التعصب للدين ولا يفتخر بأنه متعصب لدينه ؟!  ولكن الإنسان عدو لما يجهل ، ولو تعلم المسلم ما يجب عليه أن يتعلمه من الدين لظهر له الحق جليا و لسارع إلى الخير الحقيقي ، و الله سبحانه وتعالى يجملني وإخوتي المسلمين بجمال ديننا ، ويمنحنا جميعا الصدق والإخلاص لذاته ، و السعادة في الدنيـا  والآخرة ، آمين .

ثالثـا : العـمل للخـير العـام :

الخير هو الغاية الأخيرة من أعمال العقول والقلوب والأبدان الصادرة عن الحكمة والروية ، وقد تكون الوسائل للخير خيرات ، كالصناعات والحكمة النظرية والعلمية ، واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل ، فالخير العام هو المقصود للكل ، و يختلف عن السعادة بأن السعادة تختلف باختلاف الأنواع والأفراد ، فقد تكون سعادة فرد مضرة غيره .

وما كانت الخيرات و السعادات الحقيقية لا تنال إلا بحصول الحب والأنس  والتعاون الحقيقي الموجب لأن يؤثر كل فرد أخاه على نفسه في الخيرات والسعادات ، معتقدا أن ذلك هو الخير له ، ولا يكون ذلك الحب والأنس والإيثار إلا بالعمل بأحكام السـنة و الكتاب ، والغيرة على إقامة حدودهما وإحياء آدابهما وجمالهما ، ونشر أنوارهما بين المجتمع بغيرة عن رحمة وشفقة وحب خالص لنجاة العالم .

 

من ذلك تعلم سر الاجتماعات الدينية ، فقد ندبنا إلى الاجتماع ، لأن الله تعالى أمرنا بالاجتماع في اليوم خمس مرات ، وأمر أهل المدينة جميعا بالاجتماع في كل جمعة مرة في صلاة الجمعة ، وأمرنا بالاجتماع في كل سنة مرتين في صلاة العيدين ، وباجتماع جميع أفراد المسلمين في العمر مرة في الحج ، وجعل ذلك فرضا واجبا وحكما لازما ، قياما بواجب مقدس علينا لذاته العلية أولا ، ثم ليحصل الحب والأنس والألفة بين أعضاء الجسد الواحد ، فتتصل جميع أعضاء الجسد بالقلب ، ويتصل القلب بجميع أعضاء الجسد ، و القلب هو الخليفة الأعظم أو نائبه ، وأعضاء الجسد جماعة المسلمين ، و تكون هذه الاجتماعات كلها كتطهير لكل عضو حتى يقوم بالواجب عليه لبقية الأعضاء، ابتغاء مرضاة الله تعالى  ونيلا لفضله ونعمته .

وكلما كان المجتمع متعصبا للدين ، غيورا على العمل بوصاياه ، حريصا على القيـام بأوامره ، عـمت الخيرات جميع أفراد المجتمع ، وانتـشرت الصناعات والعلوم    والفنون ، وفتحت كنوز الأرض وخزائنها ، وفتحت أبواب السماء بالغيث النافـع للزرع و الضرع ، حتى يعم الخير كل ذي كبد رطبة من الحيوانات ومن المجتمعات التي ليست بمسلمة ، فيكون التعصب للشريعة الغراء هو في الحقيقة الخير الحقيقي المقصود للكل .

الرد على من زعم مضرة التعصب للدين :

قد يظن بعض من أعمى بصيرتهم الضلال المبين أن التعصب للإسلام بوجهه الحقـيقي يسبب مضارا للمجتمع الإنساني ، وذلك لجهله المركب وسخافة عقله ، و لو أنه ألقى السمع لأسرار القرآن الحكيم ، وظاهر السنة المحمدية ، لعلم حق العلم أن المسلم مكلف بكشف أسرار المادة ، و البحث بفكره في خواص الكائنات وإظهار ما أودعه فيها الله سبحانه وتعالى من المنافع والخيرات والآيات والبركات .

أمر الله تعالى المسلم بإعداد العدة لمحو الظلم والجهالة ، أمره بالسعي في مناكب الأرض ليأكل من رزق الله ، أمره بتعلم العلوم وجعل العالم حيا و الجاهل ميتا ، أمره بتدبـير نفـسه منفردا ومجتمعا ، وجعل الحسنة بعشر أمثالها ، أمره بالرحمة والرأفة  والمسارعة إلى الخير ، والعمل في الدنيا لنيل الخير الحقيقي في الدار الآخرة ، لأن كل مسلم  – بالمعنى الحقيقي –  عامل من عمال الله تعالى وخليفة عن ربنا سبحانه وتعالى ، فهو من جهة كونه عبدا : يتجمل بأكمل حلل الرهبة من عظمة مبدعه وخالقه القادر القاهر  ويتصف بكمال الرغبة في الفضل العظيم من مولاه المنعم المتفضل المعطي الوهاب اللطـيف الرءوف ، ومن جهة كونه خليفة عن ربه : مكلف أن يعمل بنفسه و عقله وبدنه في هذا الكون الذي استخلفه ربه سبحانه وتعالى عنه فيه ، حتى كلفنا ربنا – جلت قدرته – أن نجول بعقولنا لتنكشف لنا أسرار إبداع الخلق وإيجادهم ، بمحكم قوله تعالى :  )  أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  وَ  إِلَى السَّمَاء كَيْفَ  رُفِعَتْ  وَ  إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ   وَ  إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ   سُطِحَتْ   فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ  (  سورة الغاشية آيات ( 17-21) .

 

كلفنا سبحانه و تعالى أن ننظر إلى ما خفي عن أنظارنا من أسرار القدرة و غرائب الحكمة ، و آيات التدبير و المشيئة ، و حظر علينا سبحانه أن ننظر إلى هذا الكون العظيم كما ينظر الحيوان الأعجم ، بصريح قوله تعالى :  )  قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ  وَ  الأَرْضِ  (  سورة يونس آية (101) ، و معنى ذلك  – والله تعالى أعلم –  أنه سبحانه يقول : لا تـقـفوا في نظر السموات والأرض و لكن افتـقوا رتق تلك الآثار بنور الأفكار و عيون البصائر حتى تظهر لكم آيات عجائب قدرتي و بينات غرائب حكمتي ودلائل وحـدانيتي .  وأوجب على كل عاقل أن يكتشف الأرض و يشهد ما فيها من الآيات الكبرى وما خلقه سبحانه و تعالى على أيدي عباده من الصناعات و الآثار الدالة على كمال تدبيره ، وعلى أن المسلم خليفة الرب حقا ، وطالبه سبحانه و تعالى أن يسارع إلى العلم ليعرف نفسه و يفـتح له كنوز غوامض الأسرار في نفسه بقوله تعالى :  )  سَنُرِيهِمْ  آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ     (  سورة فصلت آية (53)  .  فالمسلم بمعناه أقامه الله تعالى عاملا بقدر ما قدره له وأراده ، فهو يعمل بحكم الخلافة فيما استرعاه الله فيه ، فيكون خليفة عن الرب على نفسه حتى تزكو وتطهر وتسارع إلى نيل كمالاتها فيحصل لها الفلاح ، ويكون ممن أثنى الله عليهم بقوله تعالى :  )   وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ   تَقْوَاهَا   قَدْ    أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  وَ  قَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (  سورة الشمس آيات (7-10)  .  فالمسلم في كل حركة وسكنة و نفس ولمحة وأقل من ذلك ، قائم لله تعالى في كل وقته ، بعمل واجب لنفسه ، أوعليها لله تعالى و لرسوله صلى الله عليه وسلم  ، ويتضمن هذا العمل عمل الخير الحقيقي لمن له عليه واجب ، من والدين وأولاد وإخوة  ، و لخاصة المسلمين وعامتهم ، فكل عمل المسلم خير في الحقيقة ورحمة .

سيف الإسلام دواء المجتمع الحقيقى :

سيف الإسلام وسوطه ووعيده هو الدواء الحقيقي الذي به شفاء المجتمع من عضال الداء ، والمسلم في محرابه وفي درس علمه و في مجلس الصلح ، وفي بذل النفس والمال لأهل الحاجة ، هو عين المسلم على ظهر جواده يفلق الهامات بسيفه ، وقد تكون الرحمة أشمل والخيرات أعم بعمل المسلم وهو على ظهر جواده .  وليس المرض السريع العدوى الذي يجب على أهل المدينة أن يطاردوه بالحول والطول  بأضر من مرض المجتمع بذي نفس خبيثة شريرة ظالمة غاشمة ، فسيف المسلم أنفع للأرض وأهلها من الأمطار الهاطلة عليها([5]) لأنه يدفع الظلم والجور والشرور الإبليسية و الأخلاق البهيمية ، وبه تطيب الحياة و تـنمو الخيرات وتكتـشف الصـناعات وتـتسع التجـارات ، وتعمر المسـاجد

ويستـتب الأمن ويحصل الأنس والمحبة ، يكون به الإنسان عزيزا بعد الذل ، غنيا بعد الفقر ، قويا بعد الضعف ، لأنه بسيف الإسلام يصبح الإنسان لا سلطان عليه إلا لله و لا حكم إلا لله ، و لا يكون لأحد سلطان عليه ، إلا إذا أذل نفسه بمخالفة الحق .

سوى الإسلام بين الملك العظيم والخادم المسكين :

وليس الخليفـة الأعظم على عرش ملكه  – ما دام المسلم ناهجا على الصراط الـقويم –  إلا أخا له مساويا له ، يجمعه وإياه المسجد في الصلاة في صف واحد ، فيقف ملك المسلمين بجوار أصغر مسلم ، قد سوى بينهما الدين بحيث لا يتميز الملك العظيم بمنصبه عن ذلك السوقة ، فيقف الملك خاشع الأطراف واضعا وجهه على التراب رافعا يديه إلى مولاه بذل ، لا يتميز بمنصبه عن الفقير المهين ، ولا يعلو بمركزه عن الخادم المسكين ، إلا إذا ارتكب المسلم دنيئة تظهر فيذل للحق و يخضع لحكمه ، و كذلك يكون أهل الذمة مع المسلمين . وهذه العيشة أشبه بعيش الجنة راحة و أمنا ، فيكون المسلم في الدنيا لا يسال إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه ، لا سلطان عليه ولا قاهر له إلا مولاه الذي أبدعه ، ولا يذله لأحد إلا نفسه إذا خالفت الشرع وتعدت حدوده ، و متى خالف الشرع وتعدى حدوده وترك التعصب لدينه ، كان المخالف مريضا يخشى على المجتمع منه ، ووجب شرعا وعقلا التحرز من شره .

بالتعصب للدين يصبح المجتمع كالجسد الواحد :

وإذا كان تعصب المجتمع للدين ينتج تلك النتائج كلها ، من فراغ القلوب من الهموم ، وراحة الأبدان من الخوف عليها ، صفت الأفكار ونمت العقول ونشطت الأبدان وسعى كل فرد لخير المجتمع ، فأصبح المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد ، يعمل كل عضو لخير سائر الأعضاء ، وتكتشف الأسرار وتنتشر الصناعات المفيدة للخير والسعادة ، ويصبح الإنسان آنسا بالإنسان لا يناوئه ، محبا للإنسان لا يخدعه ، وتعم الرحمة القلوب والشفقة الأبدان ،  وتتوجه القلوب والأبدان إلى اختراع ما يسهل جلب الخيرات ودفع المضرات عن الإنسان ، ويتجلى الله لعباده المتعصبين لدينه بفضله العظيم وكرمه العميم.

مدنية الإفرنج :

و لعل جاهلا بحقيقة الخير والسعادة  – ممن يتلذذون بآلام الغير ، ويفرحون بإذلال الغير ، و يسارعون إلى استعباد الغير بالقوة القاهرة –  يعترض علىّ قائلا : إن مدنية الإفرنج مؤسسة على أساس الحياة الوحشية و عيشة الحيوانات المفترسة الغشومة الظالمة ، ودليل ذلك ما أنتجته مدنيتهم من استعمال قواهم الشهوانية و الوحشية ، في اختراع المهاوي الجهنمية لبني جنسهم ، فلا تمضي ساعة من الزمن إلا و قد بلغوا من القسوة مبلغا في الإنسان فاق الوحوش الكاسرة ، وفي الظلم حدا فاق ظلم السبع الجائع ، فكم اخترعوا آلات للمقذوفات وطيارات لرمي صواعق العذاب من الأفق ، حتى قد بلغ بهم الظلم والتوحش إلى حد أنهم جعلوا السم الزعاف في تلك المقذوفات ، ليسرعوا بأخيهم الإنسان إلى الهلاك ، نعوذ بالله من مدنية الظلم والجهالة ، مدنية أسست على شهوات البهائم وشيدت على دعائم التوحش وحب الانتقام و الميل إلى فطرهم الشيطانية ، أراح الله عباده وبلاده من شرورهم وظلمهم ، إنه مجيب الدعاء .

نتائج تلك المدنية الجاهلية :

مدنية الإفرنج مدنية فاقت من التوحش والانتقام والدمار والإهلاك كل مدنية من بني الإنسان قبل الإسلام ، حتى في المجتمعات الشبيهة بمجتمعات الوحوش من بني الإنسان ، الذين كانوا يأكلون لحوم إخوتهم من المجتمعات القاطنة في أواسط أفريقيا و غيرها ؛ فإن التاريخ أنبأنا أن المصريين القدماء فتحوا فتوحات كثيرة ،  وكذلك الأشوريين و البابلييـن   والكلدانيين و العرب الجاهلين والفرس وغيرهم من أهل المدنية الجاهلية المؤسسة على القوة القاهرة ، ومع ذلك فإن التاريخ أنبأنا أن الأمم المقهورة كانت سريعا ما تتشبه بالأمم القاهرة وتفني الفاتحين فيها ، وكم أفنت مصر وغيرها أمما فاتحين ، حتى لا يمضي قرن من الزمن إلا والكل مصريون عادة ولونا وكلا ، ذلك لأن الأمم الفاتحة كان في قلوبهم الرحمة على إخوانهم في الإنسانية و الشفقة على بني نوعهم في الآدمية .

مدنية بنى الأصفر تمحو الأمم المقهورة :

أما مدنية بني الأصفر فإنها مدنية سباع مفترسة ، ذلك لأن الله نزع الرحمة و الشفقة من قلوبهم و جعلهم أشره من السباع و أجرأ من النمر ، و إلا فأين – الهنود سكان أمريكا الحمر – الذين كانوا يقدرون بالملايين عددا ؟  بل وكان لهم حضارة ، و أين حضارة دولة الأستيك  ومدينة ألاتكا بجنوب أمريكا مع بقاء آثارهما الدالة على علو مداركهم ؟  أُبيدوا بقسوة الأسبان طمعا في الذهب ،  وأين مسلمو الأندلس الذين نشروا الحضارة والرحمة و العلم بأوروبا  وقاموا بالعطف لينـفعوا أوروبا ، فكوفئوا بأعمال محكمة التفـتيش ؟  وما هي محكمة التفـتيش ؟  .

محاكم التفتيش :

في أواخر دولة بني الأحمر – و هي بقية من بقايا دولة الإسلام في الأندلس و كانت قاعدتها غرناطة – كان أهلها منشقين على أنفسهم ، فأخذ الأسبان يستولون على أطرافها فأخذوا منهم  (مالقة) سنة 892  ثم وادي آسن ، ثم عرض ملك الأسبان ، و هو فردينند الكاثوليكي ، على صاحب غرناطة أن يدخل في طاعته مقابل أموال يعطيها له و يقيم في أي مكان يشاء ، فأبى المسلمون ذلك ، حينئذ أقبل العدو وحاصر غرناطة سنة 896 ، فأفسد الزرع وقطع الأشجار و هدم القرى ، و بعد سبعة أشهر من الحصار اشتدت الحال على من بالبلد ، فمالوا إلى الصلح ، وكتبوا شروطا بينهم وبين عدوهم ، وكانت 67 شرطا ، أهمها تأمين الصغير و الكبير في النفس والمال والأهل و إبقاء الناس في أماكنهم ودورهم   وربوعهم وعقارهم ، ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ، ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعته ، و ألا يدخل النصارى دار مسلم ،  وأن تبقى المساجد كما كانت ، و الأوقـاف كذلك ، و أن لا يولى على المسلمين نصراني ولا يهودي ، وألا يجبر من أسلم على الرجوع إلى النصارى ، ولا يعاقب من قتل نصرانيا أيام الحرب ، ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى ، ولا يمنع مؤذن ولا مصل و لا صائم من أمور دينه ، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ، وبذلك انتهى ملك المسلمين بالأندلس وصاروا رعية لصاحب قشتالة ، ونزل سلطان غرناطة أبو عبد الله عنها .

وظل الأسبان يراعون الشروط مدة قليلة ، حتى تمكنت قدمهم و علموا أن لا ناصر للمسلمين ، فعدلوا عن مراعاة تلك الشروط ، وأذاقوا من بقى منهم في تلك البلاد أنواع الاضطهاد ، خصوصا لما تشكلت تلك المحكمة المعروفة بمحكمة التحرير أو القسيس أو( محكمة التفتيش ) ، فكان من القسوة و المعاملة الخالية من المروءة والإنسانية ما لا يستطيع قلم الواصف أن يسطره ، ولا ريشة المصور أن ترسمه ، وقد كان إنشاء هذه المحاكم بأمر البابوات خلفاء المسيح وحفاظ دينه .

تعقـد المحكمة في البلد ويؤتى إليها بالمسلم بعد المسلم ، فإذا تـنصر وتعمد       و امتـثل كل ما يقوله له هذا القاضي فقد نجا من العذاب ، و إذا تمسك بدينه وأصر على الإسلام تفننوا في تعذيبه ، بتقطيع جسمه و هو حي ثم بإشعال النار فيه ، أو بكيه بحديد يقـرب من درجة الصهر ، على أنهم غير مقيدين بحكم ، بل لهم أن يحكموا بما يرونه أشد في التعذيب وأدعى إلى النصرانية ، ولقد كان الواحد منهم يقدح قريحته لاستنباط طريقة أنكى في التعذيب وأشد.

 

يفعلون كل هذا جهارا أمام الذين سيحاكمون ، حتى إذا كان فيهم ضعيف الإيمان مزعزع العقيدة خلع الإسلام وتنصر .   فكان من ذلك أن هرب المسلمون بأنفسهم ودينهم  وتبقى منهم المضطر في عذاب ، وهو متمسك بالإسلام ولم يترك دينه رغم هذه المخترعات في ضروب التعذيب ، حتى لم يمض غير قليل من الزمن ولم يبق في الأندلس مسلم يجاهر بدينه أو يستطيع أن يصلي لربه علنا ، فانقرض أثرهم وتفرقوا .

هكذا فعل ورثة المسيح :

هكذا فعل ورثة المسيح الداعي إلى الأخوة و الرحمة ، والذي قدم نفسه فداء لخطيئة البشر  – كما يقولون –  إننا لو راجعنا الأناجيل الأربعة وهي كتب العهد الجديد  – على ما فيها –  لم نجد فيها إلا هدوءا وسلاما وطمأنينة ، فهل كان هؤلاء القسس محقين في شيء من هذا ؟  و هل في عملهم هذا شيء من الديانة المسيحية أو الإنسانية ؟  هم فعلوا هذا  وأكثر منه ولم يقولوا إنهم متعصبون ، ولكن نحن إذا تعصبنا للحق والدين وسرنا على نصوص قرآننا وسنة نبينا قالوا : هؤلاء متعصبون يكرهون الأجانب ،  وجامدون على القديم لا يأخذون بأسباب الحضارة . و هل التعصب إلا رابطة شديدة بين المسلمين وحبل متين إذا شده أحد تحركت سائر أجزائه ؟

 

و هل في تاريخ الفتوحات الإسلامية و عظمتها شيء يقرب من هذا ؟  و الإسلام أنشيء على دول نصرانية ، ولكن كان يؤمنهم على دينهم وحياتهم وعاداتهم  ويبر بوعـده ، و هل إذا تمثلت تلك الصورة الفظيعة التي مثلها الأسبان تجد لها مثيلا في أي فتح إسلامي ؟  فمن الوحش والهمجي منا ؟؟  لنترك الجواب للحوادث و الأعمال ، فهي التي يؤخذ منها الجواب ، لأن كلا منا متهم في إجابته ،  ومن الوحش فينا على التخريج المنطـقي ؟  وهل إذا وضعنا أعمالنا وأعمالهم في معادلة جبرية ، فلمن تكون نتيجة الشراهة والوحشية بأجلى مظاهرها ؟  ألا ينكر علينا بعد هذا إذا دعونا للتعصب للحق بكل ما فينا من قوة وعزيمة ؟

وسكان الإقيانوسية أصبحت أمريكا وهي تقدر بالقارات الثلاث وكل سكانها من بني الأصفر ، و أصبحت أسبانيا ( الأندلس ) وكان المسلمون بها يقدرون بالملايين من العرب ليس فيها عربي ولا مسلم ، وأصبحت جزر البحر الأبيض المتوسط التي كان أكثر سكانها العرب ليس فيها عربي مسلم ، هذه هي المدنية التي يدعونها مؤسسة على الرحمة وعلى انتشار الخير لبني الإنسان !  اللهم رحماك بعبادك .

حضارة الإسلام و مدنيته :

أما حضارة الإسلام و مدنيته ، فقد مضى على الإسلام بضع عشر قرنا والمسلمون منتشرون في أقطار الأرض ، وقد مكن الله لهم في الأرض بالحق ،  وجعل لهم الطـول  والحول ، حتى بلغ من سلطانهم أنهم لو أرادوا محق كل من يدين بغير الإسلام لفعـلوا ،  ومع ذلك فإن روح الإسلام العليا سرت في قلوب الأمراء و الفقراء ، فجملتهم بواسع الرحمة والرأفة وحسن المعاملة ورعاية الذمة ، حتى كان جار رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يهوديا فكان يسأل عنه في كل يوم و يحمل إليه الطعام ، و هكذا اقتدى بجناب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  الخلفاء الراشدون من بعده وأئمة الهدى ، فعاملوا أهل الذمة من اليهود و النصارى معاملتهم للمسلمين ، ولولا أن هذا المختصر لا يسع شرح ذلك لأوردت نماذج من جمال تلك المعاملات والمحاسن ، الدالة على حقيقة الروح الإسلامية .

وأقرب شاهد للحس عدم تمكين خليفة بني عثمان من قهر جيرانه على الإسلام أو إجلائهم أو قتلهم ، و لما كان الخليفة لا يحدث حدثا إلا بعد العلم بأنه من السنة و الكتاب ،  فقد استفتى صاحب التفسير الشهير الشيخ أبا السعود في إجلائهم أو قهرهم على الإسلام ، فأبى عليه وحرم عليه ذلك ، لأن القرآن الحكيم أنزله الله سبحانه الذي خلق الخلق  وفطرهم على فطر مختلفة ، ووسعتهم رحمته سبحانه وتعالى .

ومن سعة رحمته – تقدست ذاته – أنه أمر بالرحمة عباده الذين استخلفهم في أرضه ، مكن لهم فيها بالحق ليظهروا أسرار رأفته ورحمته سبحانه ، وكرمه الذي شمل به عباده ، و ليكونوا حججا له سبحانه يوم القيامة على خلقه بما شملهم به  – تنزهت ذاته –  من حقيقة الحنان والشفقة و الفضل العظيم و الكرم ، وما وجههم به سبحانه وتعالى من جمال تنزلاته العلية ، من تسخير ما في السموات والأرض جميعا منه لهم ، فضلا منه و كرما .  فكان المسلمون المتعصبون للإسلام نعمة الله على جميع المجتمع الإنساني ، بل وعلى كل موجود تحت السماء ، بل وعلى كل سكان السموات السبع ، فإن العمل بأحكام الله تعالى والقيام بما يوجب مرضاته سبحانه وتعالى ، مقتضي لفيض واسع الرحمة ، وتنزله سبحانه و تعالى بجماله المقدس وتجليه سبحانه بمعاني صفات جماله ، نعمة كبرى للملائكة المقربين ، لأنهم يتنعمون بمشاهد تنزلات الجميل الجميلة ، فكأن قوة المسلمين في دينهم ، وإظهارهم على عدوهم ، وتمكينهم في الأرض بالحق ، برهان على رضاء الله عن المجتمع الإنساني ،  ونظره سبحانه إليهم بأعين العواطف الربانية ، والإحسانات الرحمانية .

ولا يشك عاقل أن التعصب للحق والقوة فيه ، والقيام بواسع الجهد في تنفيذ أحكامه وإقامة حدوده ، وقهر كل من خالفه على الخضوع له والعمل بمقتضاه ، هو الخير الحقيقي و السعادة ، مهما اختلفت الأهواء و تفاوتت الآراء ، وعميت بصائر المفسدين ، وذلت أقدام أهل الطمع و الغرور .  وليس الحق  – الذي هو الحق في نفس الأمر –  ما يضعه أهل الأهواء وما يتأوله أهل الفساد لنيل غاياتهم التي يدعو إليها الحظ و الهوى ، و إنما الحق  الذي هو الحق في نفس الأمر –  ما أنزله الله تعالى ، وأقام الحجج الناصعة عليه للعقول حتى أسلمت له و سلمت ، وآمنت به القلوب وصدقت ، و انشرحت له الصدور ، وإليه النفوس الذكية سارعت ، وهو القرآن المجيد و بيان رسول الله  صلى الله عليه وسلم    )  فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ  (  سورة يونس آية (32)  .

ميل النفوس اللقسة إلى الباطل :

كثير ا ما يكون للباطل زينة ، فتميل إليه النفوس اللقسة ( أي الضعيفة ) التي لا تستقيم على وجه ، غرورا بزينته العاجلة ، التي من ورائها العذاب الأليم ، والعاقل لا يغتر بلذة عاجلة تعقبها آلام أبدية ، ولكنه يتألم ليفوز باللذة الدائمة ، و يدأب ليحظى بالسعادة الأبدية ، وقد رفع الستار عن مقاصد المبطلين و نوايا المفسدين ، الذين يريدون سلب النعمة والخير بإيهام أنهم يدعون إلى الخير ، وهم  – والله يشهد –  أعداء الخير لأنفسهم ، فكيف يحبونه لغيرهم ؟!  .  دعتهم نفوسهم الخبيثة إلى أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، ويبدلوا بمحاسن الحق قبائح الضلال ، أملا أن ينالوا السلطان في الأرض ، وتفكيك عرى المجتمع الإسلامي ، ومحو أنواره من القلوب ، فلم يجدوا سلاحا أقوى من أن يوهموا الناس أن التعصب للدين رذيلة وجمود ، و يقبح بأهل الحضارة والمدنية أن يتشبهوا بالوحوش ، حتى إذا انفصمت عرى الغيرة على الدين ، تفككت أعضاء المجتمع ، وأحب كل فرد ذاته ،   وسعى لخير نفسه ، فتمكن أعداء الله منهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والله سبحانه وتعالى غالب على أمره ، قال الله تعالى :  )  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ  أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ  الظَّالِمِينَ  فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ   يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ  مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ       وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ   إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ  يَا أَيُّهَا  الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ   وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي  سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء  وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (  سورة المائدة    آيات (51-54)  .

وقد كان العلماء يحذرون الناس عاقبة الاسترسال في تقليد أعدائهم ، و تحسين أعمالهم ، و سوء عاقبة التهاون بالدين ، عندما هجم وحوش بني الأصفر على الإسلام       والمسلمين بخدعهم ، وتزيينهم الأباطيل ، وسعيهم بالفساد في الأرض ، إذ ساعد على ذلك ظلم أمراء السوء وميلهم إلى شهواتهم الفانية ، وتقليد أهل الغرة بالله للأمراء ، وإعانتهم على أهوائهم بالباطل ، وتحسين القبائح لهم ، ورغبة أهل الشهوات في المظاهرة بعمل ما يغضب الله تعالى ، فحسنوا ما عليه بنو الأصفر ، وتركوا محاسن عوائدهم الإسلامية و جميل صنائعهم الشرقية ، وصار كل قبيح دينا وعقلا مستحسنا إذا عمله الإفرنج ، و أقبلوا على تقليدهم سرا وعلنا في الملبس والمأكل والفراش ، بل في كل لوازم المعيشة ، حتى صار أفـقر رجل من المسلمين يبذل كل ربحه ليجمل نفسه و بيته و أهله و أولاده بما يرد من بلادهم ، فتعطلت الصناعات الإسلامية ، وبتعطيلها هلك من كان قائما بها ، ووقفت حركة الأفكار وقوة الاختراع ، حتى صار المجتمع الإسلامي أعزلا من الفنون والصنائع ، إلا ما لا بد أن يتولاه جاهل ، خامد الفكر ، من الأعمال البدنية و المهن الدنيئة التي يتولاها صغار الأفكار أقوياء الأبدان ، فكان ذلك قوة للأعداء وسلاحا لهم في قهر المسلمين و إذلالهم .

وقد مضت القرون الطويلة و بلاد الإفرنج أقل انحطاطا من مجهولات أفريقيا وهنود أمريكا ، حتى أشرقت في بلادهم أنوار المدنية الإسلامية ، فأيقظتهم من نومة الغفلة ، فكانوا كمن ربى الضرغام ليجعله بازا لصيده ، أو من ربى عدوه ومكنه من سلاحه ، ووقف أمامه أعزل ، وذكره بعد بعداوته ، وأشهـده كنوزه ونعمه ، فاغتاله ليتنعم بما له من النعم والخيرات .

استعباد المسلمين أقوى من تذكير العلماء :

هكذا كان العلماء فيما سبق ، قاموا بما وجب عليهم ، ولكن زهرة الدنيا و أباطيل الأعداء وغرور أهل الفساد وقف أمامهم فسفه أحلامهم وأقام عليهم أدلة باطلة ، وقال : أنتم في جمود ، أو: أنتم جهلاء بواجب المدنية الحديثة ، فقال العلماء : اللهم  إنا قمنا بما أوجبت علينا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فاسترسل المسلمون في الغواية ، فالتفت الله بوجهه الجميل عنهم و لم ينظر إليهم ، فأصبحوا رعية بعد أن كانوا رعاة ، وأذلاء بعد أن كانت لهم العزة ، ضعفوا بعد القوة ، تفرقوا بعد الاجتماع ، وصاروا يؤكلون ولا يأكلون ، ويؤخذون ولا يأخذون ، يسمعون ويطيعون لغير حكم الله ورسوله ، ويدارون ولا يدارون ، بعد القوة والمنعة والعزة والسلطان ، حتى بدت لهم البغضاء ممن اقتدوا بهم ، وبان لهم خطأ انحرافهم عن دينهم مجسما , والخطأ في جعل أعدائهم أئمة هديهم , و بالجملة صبت عليهم أنواع المصائب ، وضيق عليهم الخناق ، واستعبدوا أيما استعباد ، فكان ذلك أقوى من تذكير العلماء ووعظ الحكماء .

وآن للعالم أن ينتهز تلك الفرصة والقلوب واعية ، والآذان صاغية ، فيذكرهم بما به يجتمعون بعد التفرقة ، ويتآلفون بعد العداوة لينظر الله تعالى إلينا ويواجهنا بوجهه الكريم والذكرى تنفع المؤمنين ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، وتلك سنة الله قد خلت في عباده ، قال الله تعالى :   )   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ   آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (  سورة البقرة آية (153) ،   وقال سبحـانه وتعالى : )   وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا  فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ  (  سورة القصص آية (5) ، وقال سبحانه وتعالى :  )  إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ (  سورة الإسراء آية (7) ،  وقال جلا جلاله : )  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (  سورة محمد آية (7) .

و قد بينت الواجب للمؤمن وعليه مفصلا في كتاب ( النور المبين ) ، أسأل الله أن ينظر إلينا نظرة يهب لنا بها العزة التي وعد بها المؤمنين في قوله تعالى : )  وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ  الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ  (  سورة المنافقون آية (8) ، وأجلى عنا أعداءنا مخذولين بدليل قوله تعالى :  )  وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (  سورة النساء آية (141) . فإذا قرأت – يا أخي – الواجب عليك ولك في كتاب ( النور المبين ) ثم طالعت تفصيل ما أجمل فيه في كتابي ( أصول الأصول )  و ( معارج المقربين )  وغيرهما مما فصلت فيها لإخوتي المؤمنين ما لا غنى لهم عنه من فروع الدين وأصوله ، كنا ممن بشرهم الله تعالى وأثنى عليهم بقوله تعالى :  )  فَبَشِّرْ عِبَادِ   الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ   أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (   سورة الزمر   آيـات (17، 18) .

رابعـا : نيـل السعـادة الأبدية :

تقدم لنا أن التعصب للدين ، يبتديء بأن يتعصب المؤمن على نفسه وهواه لله  ورسوله ، حتى تكون أنفاسه وحركاته وسكناته خالصة لله ، وفي كل عمل يعمله يكون على السنة ، ليبلغ مقاما يفنى مراده في مراد الله ، وحظه و هواه في مرضاة الله ، فيغضب لله ، ويرضى لله ، ويعامل لله ، و يجالس لله ، ويفرح لله ، ويحزن لله ،   بل لا يأكل  ويشرب وينام ويتجمل ويتطهر ويتطيب ويتزكى ويدخر الأموال ويتزوج ويشيد المنازل إلا لله ، فيكون عاملا من عمال الله ، وفردا من الأفراد الممثلين لحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، أخلاقه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، لسانه ذاكر ، وقلبه فاكر ، ينظر نظرة عبرة ،   وينطق بالحكمة ، ويسعى للخير ، يكون مع الله ، والله سبحانه معه .

وهذا لا يشك مؤمن أن قلبه معلق بالملأ الأعلى ، وجسمه بين الناس على الأرض ، خيره لعباد الله واصل ، ولا شر له ، وهو الذي يتجمل الملكوت الأعلى بصور أعماله ،  وتطيب الملائكة الروحانيون بطيب أنفاسه ، وتشتاق إليه الحور العين في مقصوراتها ،  ويستغفر له حملة العرش العظيم ، ويباهي الله به الملائكة الكروبيين،  وهو الذي جاهد في الله حق الجهاد ، ملاحظا قوله تعالى :  )  وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ  الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ  وَ فِي هَذَا لِيَكُـونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ   وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ   وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (  سورة الحج آية (78)  ، وهذا هو الذي اشتاق إليه وإلى نظرائه رسول الله صلى الله عليه وسلم  بقوله صلوات الله عليه : ( وا شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد ) في الحديث الطويل بسند مالك بن أنس t ، وجعل صلى الله عليه وسلم  أجر الواحد منهم بأجر سبعين صديقا من أصحابه ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وجعل صلى الله عليه وسلم  حكمة ذلك أن أصحابه – رضي الله عنهم – يجدون على الحق نصيرا ، وأن العلماء المتعصبين لدينهم في زماننا هذا لا يجدون على الحق نصيرا ، والحديث مبسوط في الموطأ .

هذا نزر من كثير ،  لا يمكن شرحه لأهل العقول إلا بعد التسليم والتصديق والإيمان ، لأن المؤمن ينظر بنور الإيمان ، ما لا يمكن لغيره أن ينظره بنور العقل ، و كثير من أهل الإيمان نظروا بنور إيمانهم أسرار آيات حجبت عن أنوار العقول الكبيرة ؛ لأن العقل مخلوق لا يمكنه أن يشهد أسرار الخالق إلا بفضل منه سبحانه ، فإذا أهله للإيمان أهله لمشاهد القرآن  )  وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ  (  سورة النور آية (40) .

 

وإن من تفضل الله عليه بهذا الفضل العظيم في الدنيا ، وأقامه مقام أنبيائه – عليهم الصلاة والسلام  – فهو – ولا شك – من الذين بشرهم الله تعالى بأنهم  )  فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ   فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ  (  سورة القمر آيات (54 ، 55) ، و قوله تعالى :  )   فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء  بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (  سورة السجدة آية (17) ،   وهم المقربون من الله ، المحببون له سبحانه وتعالى ، و أوليائه المخلصون .

أسأل الله تعالى أن يهب لي ولإخوتي المؤمنين جميعا حلاوة الإيمان ولذة التقوى ، وأن يشرح صدرنا للعمل بكتابه العزيز ، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  ، إنه مجيب الدعاء .

 

([1]) أخرجه أحمد فى مسنده .

([2]) أخرجه البخارى فى كتاب الأدب .

[3])) يؤيد ذلك الحديث الشريف الذي رواه أبو داود في مسنده ( ليس منا من دعا إلى عصبية ،   و ليس منا من قاتل على عصبية ، و ليس منا من مات على عصبية ) .

 

[4])) ورسول الله r علمنا ذلك في الحديث الذي رواه أبو داود : ( يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه ، لا تتعقبوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من اتبع عوراتهم  يتبع الله عوراته ، و من تبع الله عورته يفضحه في بيته ) .

 

[5])) بدليل ما رواه ابن عباس t  عن النبي r :  ( يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة ، و حد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين عاما ) .